فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار فرايت التاجر لصا في اثواب بائع
وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار فعلمت انه سارق للدينار الثاني
فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاءفوجدت ان اعدل القضاة
يحرص الحرص كله على ان لا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه
هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه مخافة
ان يسلبه اياه اما انصاف المظلوم والضرب على يد الظالم واراحة الحقوق
على اهلها وازال العقوبات منازلها من الذنوب فهي عنده ذيول واذناب
لا يابه لها ولا يحتفل بشانها الا اذا اشرق عليها الكوكب بسعده فمشت مع القانون في طريق واحد مصادفة واتفاقا
فاذا اختلفت طريقهما بين يديه حكم بغير ما يعتقد ونطق بغير ما علم
ودان البريء وبرا المجرم فاذا عتب عليه في ذلك عاتب كانت معذرته اليه حكم القانون عليه كانما يريد ان يجعل العقل اسير القانون
وما القانون الا حسنة من حسنات العقل وصنعة من صنائعه
فتشت عن الفضيلة في قصور الاغنياء فرأيت الغني اما شحيحا او متلافا اما الاول فلو كان جارا لبيت فاطمة رضي الله عنها وسمع في جوف الليل
انينها وانين ولديها من الجوع ما مد اصبيعيه الى اذنيه ثقة منه ان قلبه
المتحجر لا تنفذه اشعة الرحمة ولا تمر طياته نسمات الاحسان واما الثاني فماله بين الثغرين ثغر الحسناء وثغر الصهباء فعلى يد اي رجل من
الرجلين تدخل الفضيلة قصور الاغنياء
فتشت عنها في مجالس السياسة فرايت ان المعاهدة والقاعدة والشرط الفاظا مترادفة معناها الكذب فتشت عنها بين رجال الدين فرايتهم الا من رحم الله يتجرون في العقول في اسواق الجهل
فتشت عنها في كل مكان اعلم انه تربتها وموطنها فلم اعثر عليها فليت
شعري هل اجدها في الحانات والمواخير او في مغارات الصوص او
جدران السجون
اني لاانكر وجود الفضيلة ولكني اجهل مكانهافقد عقد رياء الناس في عيني سحابة سوداءاظلم لها بصري
كل الناس يدعي الفضيلة وكلهم يلبس لباسها ويرتدي ردائها
وان كان ما يتجدث به الناس من سعادة الحياة فسعادتي فيها ان اعثر في طريقي في يوم من ايام حياتي بصديق يصدقني الود وان يكون شريف
النفس فيطمع في غير مطمع شريف القلب لا يحمل حقدا ولا يحفظ
وتراشريف اللسان فلا يكذب ولا ينم ولا يلم بعرض ولا ينطق بهجر
شريف الحب فلا يحب غير الفضيلة ولا يبغض غير الرذيلة
هذه هي السعادة التي اتمناها ولكني لا اراها
لقد سمج وجه الرذيلة في عيني وثقل حديثها في مسمعي حتى
اصبحت اتمنى ان اعيش بلا قلب فلا اشعر بخير الحياة وشرها وسرورها
وحزنها
ولولا اولاد صغار يفقدوا بفقدي طيب العيش ونعيمه لفررت من هذا العالم الناطق الى ذلك العالم الصامت فاجد من الانس به والسكون اليه ما وجده الذي يقول
عوى الذئب فاستانست بالذئب اذ عوى وصوت انسان فكدت اطير
وسلامتكم
من اقوال المنفلوطي