سيرة جندي أمريكي هارب من جحيم العراق / ترجمة وتقديم فيصل جلول
تحيط الولايات المتحدة الأمريكية الأوضاع الخاصة بوحداتها العسكرية التي تحتل العراق بحاجز كثيف من السرية والغموض فلا تذيع ولا تسمح بنشر كل ما من شانه أن يؤثر على معنويات هذه الوحدات بما في ذلك حالة الجنود النفسية و حجم الخسائر الفعلية في المعارك و حجم الهاربين من الخدمة ودوافعهم..الخ وذلك حتى لا تؤدي مثل هذه المعلومات إلى التذكير بكوابيس حرب فييتنام من جهة والى رفع معنويات المقاتلين العراقيين ضد الاحتلال من جهة أخرى سوى أن ارتفاع عدد الممتنعين و الهاربين من الخدمة العسكرية والتصريحات التي يدلون بها خصوصا في كندا حيث النسبة الأكبر منهم كل ذلك بدأ يفتح كوة في الستار الحديدي الذي يضربه المحتل حول قواته.فيما يلي شهادة حية عن يوميات جندي أمريكي هارب من الخدمة في العراق نشرتها جريدة "لوموند" اليومية الفرنسية في ملحقها الأسبوعي الرقم 68 والصادر بتاريخ الرابع من حزيران ـ يونيو الجاري نقدمها للقاريء بترجمتها الحرفية وذلك من أجل تسليط الضؤ على المزيد من الحقائق التي يلفها الصمت في العراق المحتل.
يقول الجندي جوشوا كاي:"هربت من الخدمة ذات صباح من شهر ديسمبر عام 2003 .لقد حشرت عائلتي في سيارة قديمة اشتريتها العشية ب 600 دولار وهربت من القاعدة العسكرية في كولورادو سبرينغ مستفيدا من مأذونيتي العسكرية.لم أكن ارغب بالعودة إلى العراق. لم أكن ارغب في أن أكون مجددا في هذه الحرب المبنية على الكذب.لا أريد قتل المزيد من العراقيين المدنيين لا أريد مواصلة المشاركة في هذه المذبحة. اعرف أن كثيرين من مواطني سيعتبرونني جبانا وخائنا ولكنني لا أعبأ بذلك. لكل منا ضميره. واعرف أيضا أنني لن احصل أبدا على العفو"حيث أن العسكري لا يهرب أبدا" ولكن أتحمل مسؤلية ذلك ويمكنني العيش مع كلمة "هارب" ولكن ليس مع كلمة "العراق".
اسمي جوشوا كاي .أنا من مواليد العام 1978 في ناحية غوتري في أوكلاهوما. عائلتي كانت تعمل مربية أبقار وكانت تحصل عيشها بصعوبة ولكني مع ذلك كنت أحب هذه الحياة في قلب الطبيعة وسط رعاة البقر حيث انتعال الحذاء لم يكن ملزما إلا في سن الثانية عشرة للدخول إلى المدرسة. تزوجت من بروندي بعد حصولي على الثانوية العامة وكنا من عمر واحد وتاريخ واحد. كنت احلم في أن أصبح ملحما أوكسيدروليكيا ولكن لم يكن عندي المال اللازم للمدرسة الصناعية لذا بحثت عن عمل آخر. أي عمل.لكن العمل لم يكن ميسرا في منطقتي الخالية من المصانع والتي لا مستقبل فيها.لذا ذهبت وعائلتي إلى ويسكنسون وعدنا لأننا لم نجد عملا والأفق هناك كان مسدودا أمامنا وكان لدينا طفلان أصلا.
في هذا الوقت التقيت بالمجندين (برفع الميم و كسر النون) في الجيش كان ذلك في شباط ـ فبراير عام 2002 لقد عرفوا كيف يخاطبوني بكل تأكيد. أوحوا لي أنني سأخرج من أوكلاهوما وأعيش مغامرة رائعة.قالوا لي أنني لن اخدم بلادي فحسب بل أنني سأجلب لعائلتي فوائد استثنائية: ضمان صحي جيد .راتب منتظم.والمال اللازم للدراسة بعد التسريح من الجيش فضلا عن تأهيل ممتاز في بناء الجسور وأن هذا التأهيل سيكون مفيدا لي للعمل من بعد في القطاع الخاص.وبصورة خاصة ضمنوا لي بوصفي رب عائلة أن أعين في فصيلة عسكرية محلية بقولهم: لن تخدم إطلاقا خارج الولايات المتحدة.لقد التزم مجندي (رفع الميم وكسر النون) بهذا الكلام وهو ينظر في عينيي.
في أول نيسان ـ ابريل وقعت عقدا مع الجيش لمدة ثلاث سنوات. كنت سعيدا وفخورا بالمشاركة في شيئ اكبر مني وبأنني سأضمن مستقبلا جيدا لعائلتي.
ذهبت إلى معسكر للتدريب في ميسوري وكانت زوجتي براندي حاملا في طفلنا الثالث.أصبت على الفور بخيبة أمل إذ اكتشفت أن وعود المجند (ضم الميم وكسر النون) تتناقض تناقضا تاما مع الواقع.كنت في المعسكر ليس من اجل بناء جسور بل من اجل تدمير الجسور لأنهم فرضوا علي اختصاص الألغام.اتصلت بزوجتي براندي وقلت لها : لقد خدعوني.بعد شهور من التدريب عينوني في قلعة كارسون في كولورادو في الفرقة إل 43 لمهندسي المعارك وجاءت براندي للعيش مع الأولاد في القاعدة. ومنذ خريف العام 2002 بدأت شائعات بغداد تتضخم لقد تم كل شيئ من اجل الصدام مع القوات في الصحراء العراقية. تمت مضاعفة التدريب على الإشتباكات و تهيئة وحدات كبيرة للرحيل إلى هناك. كانوا يقولون لنا كونوا على استعداد للانتقال في أي يوم. كنت أظن أنهم سيلتزمون بوعدهم لي. لم أكن اعتقد أنهم سيهملون هذا الوعد. كنت أود طرح السؤال على احد الضباط فقيل لي أن علي أن اقفل فمي إن كنت راغبا في أن تكون عائلتي بمنأى عن الأذى. هكذا وقعت في الفخ.
لقد بدأت الحرب في 19 آذار ـ مارس كانت معداتنا في هذا الوقت قد أصبحت في القطارات المتوجهة إلى الكويت.كان الانتظار محبطا ولكن كان الأمل في أن تكون الحرب خاطفة بما يكفي حتى لا نشارك فيها.
في الأول من أفريل ـ نيسان قيل لنا: هيا يا شباب ستتحركون خلال عشرة أيام فكان الأمر بمثابة صدمة لي. ولكن كان علي أن اقنع نفسي أخلاقيا بان الحرب تتم من اجل قضية عادلة.وبان صدام رئيس نظام هو الأكثر وحشية على وجه الأرض وبأنه يملك أسلحة دمار شامل وجيشا فائق القوة وبان تخليص العالم من منظمة القاعدة يمر بالضرورة بالعراق لقد هزتني الأخبار التي تحدثت عن أن ألمانيا وفرنسا وكندا تعارض الحرب ولا تشارك معنا ولكن الرئيس بوش كان يطلب منا الذهاب إلى الحرب وكان هذا الطلب غير قابل للنقاش.
وصلت إلى الكويت في العاشر من نيسان ـ ابريل وقد بقينا في الصحراء حتى 27 نيسان كنا في هذا الفرن مزودين بقارورتي ماء في اليوم بدلا من 6 قارورات ضرورية لإرواء عطشنا مع وجبة غذاء واحدة بدلا من ثلاث وجبات يومية. لم يكن هذا الأمر مفهوما بالنسبة إلينا كيف يمكن تفسير أن الجيش الأقوى في العالم والأكثر تجهيزا تكنولوجيا تفتقر قطاعاته إلى الماء والغذاء اللازم؟ كنا نعطش وكنا نجوع. كنا ننتظر في التلال الرملية ووسط الرمال نمضي الوقت في تنظيف سلاحنا. في 27 أفريل ـ نيسان وبعد مرورنا في بغداد لساعات اتجهنا إلى الرمادي.هناك قيل لنا بما أن الجسر الخشبي الصغير الذي يصلنا بالمدينة التي يقطنها 300 ألف نسمة لا يتحمل ثقل الآليات العسكرية فان على فرقتنا المؤلفة من مئة رجل أن تدخل المدينة راجلة بمفردها في هذه اللحظة "تبولنا في سراويلنا" من الخوف.ما إن وصلنا حتى طلب منا تنظيم دورية. قلت في نفسي ما هذا الهذيان؟أنا مهندس قتال يقتضي دوري وضع الألغام أو نزعها في الصحراء وليس عسكريا في فرقة المشاة.لقد كنت مخطئا وبدأت الدوريات ليلا في المدينة كل رجل في الدورية يبعد ثلاثة أمتار عن الآخر الدم متجمد في العروق والرشاش في اليد. هذا الأمر كان يثير المواطنين واعتقد أن الهدف من الدوريات هو إثارتهم.كان علينا أن نثيرهم وان ونخلق فوضى حتى يطلقوا علينا النار ونطلق عليهم النار.
لقد حصل في البداية أن بعض الناس كانوا يخرجون من منازلهم ليصفقوا لنا .قيل لي أن هذه العادة كان معمولا بها خلال عهد صدام حيث كان على الناس أن يخرجوا من منازلهم لتحية العسكريين تحت طائلة القتل.هكذا كانوا يفعلون معنا ولم يكونوا مخلوبين برؤيتنا كما يعتقد البعض.غالبا كانوا يبصقون علينا ويرشقوننا بالحجارة ومن ثم بدأ الرمي بالرصاص وإطلاق القذائف الصاروخية والهجوم بالقنابل وبصورة خاصة عندما صرنا في الفلوجة هنا عشنا كابوسا حقيقيا.
كان رفاقي يختفون الواحد تلو الآخر دون أن نعرف أخبارهم إن كانوا جرحى أو قتلى. ببساطة لم نعد نسمع شيئا عنهم.في إحدى الفترات كثرت الهجمات وإطلاق الصواريخ إلى حد أننا ما أن نصحو صباحا حتى نقول هل جاء اليوم دوري؟ وكنا نحلم بان نصاب بجرح للعودة إلى المنزل.كل شيء من هذا القبيل كنا نحلم به إلى حد القبول أن فقدان احد أطرافنا كان بالنسبة إلينا أفضل من البقاء في هذا الجحيم. لقد أطلق عدد من الجنود النار على أطرافهم وأفخاذهم من اجل ذلك. رفيق لي استخدم بندقية أل إم 16 إطلاق النار على رجله لم اعرف أبدا ما حل به من بعد ولكن فكرة إطلاق النار على الأطراف كان موجودة في تفكير الجميع إلى حد أن القيادة نشرت مذكرة تؤكد فيها أن كل من يفاجأ بإطلاق النار على نفسه أو من يخترع وسيلة للعودة إلى منزله فليعرف الفاعل انه سيعاد إلى هنا لفترة تتراوح بين 12 و18 شهرا.
ويواصل كاي شهادته بالقول:"كنا نتمركز دائما في وسط المدن بلا ماء عذب وبلا إمكانية استحمام محرومين من المنتفعات العادية.كانت ثيابنا العسكرية ملوثة بالدم وكان نحرق بأنفسنا نفاياتنا.في الرمادي كنا ننام في قصر قديم لصدام نهب وحطمت محتوياته. في أماكن أخرى كنا نتدبر إقامتنا بين أنقاض منازل مدمرة جراء القصف فنجد ملجأ فيها.في الواقع كان ينقصنا النوم بشكل دائم واعتقد أن ذلك كان مقصودا فهو يجعلنا عصبيين وقلقين مستعدين لإطلاق النار على كل شيئ يتحرك. ودائما متأهبين كالهياكل الآدمية التائهة وسط الضباب.
هناك فرق كبير بين القواعد العسكرية التي تشاهد على التلفزيون والوحدات عسكرية المتمركزة في وسط المدن كوحدتنا. إن القواعد الموجودة في المنطقة المسماة خضراء هي موجودة في اللامكان هائلة في حجمها ومجهزة بشكل رائع. الطعام فيها جيد والجنود يرتدون لباسا عسكريا جميلا وممتازا يتصلون هاتفيا بأسرهم ساعة يريدون ولديهم وسائل اتصال مريحة بواسطة الانترنت. إنهم سعداء لوجودهم في العراق ويظهرون ذلك من حلال ابتساماتهم أمام كاميرات التلفزة.لا خطر في أن تصور الكاميرات المنطقة الخضراء وليس فوضى المدينة حيث الشوارع محطمة والأحياء مقصوفة ومدمرة الكاميرات لا تقترب خصوصا منا نحن الجنود الموجودين في ما يسمى بالمنطقة الحمراء السابحين في العرق والدم مرتدين بزات القتال التي يعود تاريخ صنعها إلى حرب فييتنام في حين وجوهنا يعلوها الرعب بينما نظراتنا تبدو وكأنها بعيدة ألف كلم عن حالة قواعد المنطقة الخضراء هذه النظرات الثابتة الموجهة نحو مكان آخر بعيد تائه.
الغارات التي كنا نشنها هي الأكثر مدعاة للاضطراب. كانوا يخطروننا مساء قبل الغارة ويقال : أوكي أيها الشباب غدا ستقومون بمداهمتين. ونعطى صورتان لبيتين التقطت بواسطة الأقمار الاصطناعية التابعة لمخابرات السي أي إي والمختصة بالإرهابيين المفترض أن نقبض عليهم. في الساعة الرابعة صباحا كنا نداهم بشكل مفاجيء كنت أضع عبوة كبيرة ناسفة أمام باب المنزل وأتراجع قليلا إلى الوراء ثم ينفجر الباب ومن ثم نقتحم البيت بنادقنا الرشاشة مصوبة ونقوم بإخلاء كل الغرف. كان هناك الكثير من البكاء والصراخ. لم نكن نفهم شيئا مما يقولون ولكنها أقوال مدججة بعنف فظيع.في هذا الوقت يتصاعد الأدرينالين إلى رؤوسنا حتى الذروة لأنه يمكن أن نقتل أيضا في أية لحظة. كنا نختطف الرجال بأقصى سرعة ممكنة ونجرجرهم إلى الخارج ونقيد أيديهم ونضعهم في شاحنة تنطلق للتو حتى لو لم نعثر عندهم على شيء يدينهم وهو ما كان يحصل دائما.
دعواتك لاخوانكم في العراق المهم انصر اخوننا في العراق وفي جميع انحاء العالم انك سميعا موجيب 0000
اخوكم ملامح عسل