في الهواء الطلق .. بين حفيف الأشجار وزقزقة العصافير ركزت لوحتها....وبين أناملها ريشتها الساحرة التي تحول الخيال إلى حقيقة على أي لوحة يسوقها حسن الطالع إليها..
رسمت طريقا طويلا ممتدا... تسير فيه فتاة حافية القدمين وقد انثنت على قدمها اليسرى والدم يسيل وهي تحاول إخراج شوكة استقرت فيها لكن الأشباح لاتدع لها الفرصة فهي تحف بها من كل الجهات....
كانت منهمكة في الرسم... مستغرقة داخل خيالها...لدرجة أنها لم تشعر بوجود من وقف خلفها.....
وضع يده على كتفها...كادت تصرخ والتفتت نحوه بدهشة..!!
ابتسم وقال بصوت حاني:
هل ظننتني أحد أشباح لوحتك ؟؟!! هذا أنا لاتخافي....
تلعثمت:
شبح؟!! أي شبح؟؟أنا لاأرسم الأشباح...!!!!
ثم حاولت أن تبعد بصره عن لوحتها:
تعال تحت تلك الشجرة سأريك ماذا نقشت على جذعها...
ازدادت ابتسامته اتساعا وقال:
لن نذهب لأي مكان قبل أن أرى ماذا أبدعت اليوم..؟؟
أزاحها من أمام اللوحة.... وأصبح في مواجهة مع عيني رجل
مشوه يعترض طريق فتاة يسيل الدم من قدمها.....
لم يكن بحاجة للمزيد من الوقت ليدرك أنها هي تلك الفتاة...
أما ذلك المشوه فكان بعين واحدة بينما شد على الأخرى شريطة كالقراصنة، له نابان حادتان وكأن رائحة الدم أثارت شهيته فهو يحاول غرس أنيابه في عنقها....
لم يستطع تبين ملامحه أو معرفة هويته فقد أتقنت تحويله إلى مسخ مخيف...
لكن تاجا مرسوما على جبينه أفصح عمن عنته بهذا المسخ المشوه...
عادت به الذاكرة إلى الوراء....كانت دائما تحرص أن ترسم تاجا على جبينه في كل لوحة ترسمها له..
يوما سألها:
ماسر هذا التاج؟؟
حينها همست في أذنه ببضع كلمات استكتمته إياها وأخذت منه العهد ألا يبوح بالسر..
الآن علم أنه المقصود بذلك المسخ المشوه... ذلك التاج فضحها ..
التفت إليها وهو لايكاد يلتقط أنفاسه:
أنا من رسمتني يوما ملاكا بأجنحة أصبحت اليوم بريشتك شبحا يمص الدماء؟؟
أرادت أن تتكلم.... لكنه وضع يده على فيها:
لا... لم يعد للحديث معنى... لوحتك نطقت بكل شيء...!!
أدار لها ظهره....بينما بقيت هي تدير نظراتها بينه وبين اللوحة...
حركت يدها لتربت على كتفه...لكن جرحها صرخ:
لاتفعلي...... لاتفعلي فهذا من غرس خنجره المسموم في تلك الليلة المشؤمة!!!
بقيت تصارع الجرح والخوف الشديد من فقدانه...
كانت الرغبة ذاتها تصرخ في أعماقه .... حاول أن يتقدم بخطواته
ليبتعد فإذا به يتراجع إلى حيث هي تقف... لكن الكبرياء وقف بينهما ساخرا يملأ المكان بقهقهته...
نبضها ناداه:
أرجوك عد فجرحي لن يشفى إلا بلمسة منك...
وصوت خرج من أعماقه يناديها:
مزقي اللوحة ... واستبدليها بأخرى وأعيديني إلى جوادي
ثم ارسمي ذلك التاج على جبيني وفوقه اكتبي تلك الكلمات التي همست بها لي يوما .... دعيها تخرج للنور ولو لمرة واحدة..
أراد كل منهما أن يجثو طالبا الرضا والصفح.....
لكن الكبرياء بقي سدا منيعا يحجب كل ماتدفق في عروقهما..
وفي لحظة توقف فيها زخ المطر وأشرق قوس قزح بألوان سرقها من لوحة بدأت تلوح في مخيلتها عن المستقبل..
في تلك اللحظة مدت كفها إليه وهي تضم أصابعها رافعة إصبعها الصغير في إشارة إلى صلح طفولي عذب:
صالحني.... هات إصبعك الصغير ولفها حول إصبعي كما كنا نفعل ونحن صغار في حينا القديم..
أتذكر حين كسرت لعبتي بكرتك؟؟ وبقيت أبكي .. لكن دموعي جفت وابتسامتي سطعت بمجرد أن لففت إصبعك حول إصبعي ..
ونسينا اللعبة المكسورة.... واكتفينا بالكرة...
هات إصبعك....
ولشدة فرحه بالصلح الجديد نسي أين توجد إصبعه وراح يبحث في جيوبه ....!!!
موقف علت معه ضحكاتهما... ومعها صوت المنبه..
أزيز المنبه يتصاعد في الغرفة... فتحت عينيها وأدارتهما في الغرفة تبحث عنه وعن اللوحة وعن قوس قزح...
لم يكن من شيء.....
كان مجرد حلم....!!!