قصص الأنبياء
الحلقة / 1
( بداية الفساد في الأرض )
بعد هبوط آدم عليه السلام وزوجته إلى ألأرض ، كانت حواء تلد له تؤأمين ذكراً وانثى في بطن واحد ، فولدت أولاً ( قابيل ) وتوأمته (أقليما ) ، ثم ( هابيل ) وتوأمته ( لبودا ) ، واستمرت ولادتها هكذا إلى عشرين توأماً ، آخرهم ( عبد المغيث ) وتوأمته ( أمة المغيث ) ، ولكن الله رزقها بمولود واحد ذكر إسمه ( شيث ) ومعناه هبة الله ، بعد أن قتل هابيل قابيل وبذلك إستوى عدد الذكور مع عدد الإناث .
وكانت شريعة الزواج في ذلك الوقت ، أن لكل ولد من أولاد آدم عليه السلام أن يتزوج ما شاء له من إخواته البنات ، عدا توأمته التي ولدت معه في بطن واحدة ، فإنها لا تحل له ، وذلك لعدم وجود نساء إلا الأخوات وامهم حواء ، فتزوج قابيل من لبودا ، وتزوج هابيل من إقليما التي كانت أكثر من اختها جمالاً وأحسن منها طلعة وبهاء ، فرضي هابيل بما قسم الله له ، وسخط قابيل على أخيه ورفض شرع الله ، وجادل أباه ظناً منه أن هذا الشرع من عند أبيه تفضيلاً لهابيل عليه ، وقال هي اختي وأنا أحق بها منه ، فأشار عليه أبوه أن يقرب كل منهما قرباناً ، فأيّهم يقبل الله قربانه فهو أحق بلبوذا من أخيه .
ذهب هابيل وكان يعمل بالرعي ، فأخذ كبشاً من أحسن أغنامه وذبحه وقربه إلى الله ، أما قابيل فكان مزارعاً فأخذ حزمة من نبات الأرض ووضعها عند قربان أخيه ، وكان القربان في ذلك الوقت يوضع على رأس جبل ، فإن قبله الله نزلت عليه نار من السماء ، أما إذا لم يقبل فكانت تأكله السباع ، فنزلت نار على كبش هابيل فأحرقته علامة من الله قَبولِه دون قربان أخيه ، وقيل بأنه رُفِعَ إلى السماء وظل بها حتى نزل فداء للذبيح إسماعيل عليه السلام ، قال تعالى : } واتل عليهم نبأ إبني آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتُقبِّلَ من أحدهما ولم يُتقبَّل من الآخر { 27 المائدة .
إزداد قابيل غضباً على غضب وإشتعل قلبه حقداً وحسداً على أخيه هابيل ، إذ تقبل الله قربانه ولم يقبله منه ، كما تزوج من اخته الحسناء التي ولدت معه وترك له الاخرى ، فتوعده بالقتل ، ولم يكن يدري ما هو القتل ، ولكنه كان يعلم من أبيه أن هناك قاتلاً منصوراً ومقتولاً منهزماً ، إذ أن آدم عليه السلام تعلم الأسماء كلها من الله فكان يُعلمها أبناءه ، قال تعالى : } قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين { 27 المائدة ، فقال له هابيل إن الله يتقبل من المتقين وإنك غير ذلك ، فأنت عققت أباك بمخالفتك أمره ، ولم يكن قربانك طيباً خالصاً لله ، والله لا يقبل إلا الطيب .
وأراد هابيل أن يرقق قلب أخيه قابيل ، وأن يزكي في نفسه نوازع الخير ودوافع الشفقة ، فقال له : } لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين { 28 المائدة ، فإني لن أحاول قتلك مثلما تريد أن تقتلني ، لأني أخشى العقاب من الله رب العالمين ، فلم ينفع معه الترغيب في الخير ، فبدأ هابيل في إسلوب الترهيب والزجر ، لعله يرتدع أو يرجع عما يريد ، فعرض عليه عاقبة القتل بقوله : } إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين { 29 المائدة ، وأن تبوء بإثمي يعني أن ترجع محملاً بذنب قتلي علاوة على إثمك أي الذنوب التي إرتكبتها من قبل ، سواء أكان حقدك علي وعدم رضاك بشرع ربك وعقك لأبيك ، وعدم الإخلاص في تقديم قربانك إلى الله ، فإن عاقبة كل هذا هي النار ، وذلك جزاء الذين ظلموا أنفسهم بالعصيان أو ظلموا غيرهم بالقتل ، ولكن النفس الأمارة زينت القتل في عين قابيل ، وسهله الشيطان له ، إذ أتاه ليعلمه كيف يكون القتل ، فأخذ طائراً ووضع رأسه على صخره وضربها بحجر فشجت فمات في حينه ، فذهب قابيل إلى أخيه فوجده نائماً فأخذ حجراً وشج به رأس أخيه هابيل فمات ، قال تعالى : } فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين { 30 المائدة ، وطوعت أي زينت الأمر وجعلته سهلاً ، ومن الخاسرين أي الدنيا بفقده لأخيه وغضب أبيه عليه ، وفي الآخرة بدخوله النار وخلوده في العذاب .
ولم يدر قابيل ماذا يفعل بأخيه إذ كان هابيل أول ميت على الأرض ، فتركه في العراء فجاءت السباع لتأكله ، فخشي عليه منها فحمله على ظهره حائراً مدّة من الزمن ، قال تعالى : } فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه { 31 المائدة ، فاقتتل الغرابان أمام قابيل فقتل أحدهما الآخر ، فحفر الغراب القاتل حفرة بمنقاره ورجليه ثم أخذ يجر الغراب المقتول بمنقاره حتى ألقاه في الحفرة ثم واراه التراب ، ففعل قابيل مثلما فعل الغراب ، } قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين { 31 المائدة ، وأصبح من النادمين ليس على قتله لأخيه ، ولكن على حمله إياه وشقائه به طوال تلك المدة قبل أن يتعلم الدفن .
غضب آدم عليه السلام على إبنه قابيل ، فهرب إلى بلدة عدن بأرض اليمن وأخذ معه اخته ، وظل طريداً شريداً يخاف منه كل من يراه ، فأتاه إبليس و وسوس إليه بأن النار أكلت قربان أخيك هابيل لأنه كان يعبدها دون علمك ، وأنجب قابيل ذرية كبيرة أثارت الفساد في الأرض ، وظلوا هكذا حتى أغرقهم الظوفان عن آخرهم فلم يبق أحد ، وأبقى الله ذرية ( شيث ) من بني آدم إلى يوم القيامة .