يتشكل مجتمعنا السعودي وفق القيم الذكورية التي توارثها منذ تشكل الثقافة العربية عموما ويزيد لديه تشكله وفق القيم الذكورية كون الكثير من المجتمع لم يستطع التماس إلا قليلا مع المجتمعات الأخرى، وهذا ما يجعله أكثر بكثير من غيره تأثراً بالثقافة الذكورية ورؤيتها للمرأة على أنها من قبيل المتاع أو التبعية للرجل.
وإذا ما كانت عاطفة الحب، الفطرية في الإنسان، مدانة في الثقافة العربية إدانة أقرب إلى المطلقة، إلا كونها أدبا فقط، فإنها في مجتمعنا تصبح وكأنها جريمة، خاصة إذا كانت هذه العاطفة خارجة من قبل المرأة تجاه رجل ما أو على الأقل صرحت بذلك، حتى لدى امرأة أخرى سواء كانت أمها أو أختها أو قريبة لها من هنا أو هناك، ذلك أنها حتى المرأة في هذا المجتمع تشكلت وفق الثقافة الذكورية، التي كانت المرأة ذاتها إحدى ضحاياها إلى فترة قريبة، أو مازالت في بعض جوانبها..
والرفض الذي تطلقه المرأة تجاه حب المرأة هو رفض غير حقيقي أي أنه خلاف سيكولوجية المرأة التي خلقها الله عليها، فالمرأة من المفترض فيها أنها أكثر من تسعد لهذا الحب، إلا أن الثقافة التي تشكلت وفقها جعلتها تتخلى عن فطرتها الحقيقية لتمثل وجهة النظر الذكورية. ومن وجهة النظر الذكورية أيضا تم تأطير الحب في أطر ذكورية بحتة هي من صالح الذكر ضداً على المرأة، ولذلك فليس عبثا أن تنظر المرأة على أن أكثرية الرجال ( ليس كلهم طبعا ) هم ذئاب بشرية، فالعلاقة بين الرجل والمرأة في هذا المجتمع علاقة غير طبيعية..
ولن تكون طبيعية في ظروف كالتي نعيشها، وهي هيمنة العقل التقليدي الذكوري الذي لا يرى في المرأة، إلا كونها خلقت لإمتاع الرجل، ولذلك ليس في قاموسه كلمة الحب بمثاليتها التي تريدها المرأة في علاقتها بالرجل الذي تحبه، أو تطمح أن يكون فارس أحلامها. في بعض المجتمعات المجاورة لم يكن الحب مدانا إلى هذه الدرجة التي لدينا، المهم أن تعرف كيف تحافظ الفتاة على هذا الحب من غير أن تقع في خداع من أحبته، بل وفي بعض الأحيان يترجم هذا الحب إلى زواج واقتران في الأخير كما عرفناه من بعض الأصدقاء في حين لا نستطيع أن نراه في مجتمعنا، إذ إن كل العلاقة بين الرجل والمرأة هنا هو ما كان على وفق ما تمليه الثقافة التقليدية..
وحتى لو تم التجاوز قليلا فإن أقصى ما يستطيعه المتزوجان هو أن يرى بعضهما للحظة صغيرة من غير أن يكون تعارف حقيقي يمتد إلى أشهر يكون فيها لقاءات ودية، كون المجتمع يرفض مثل هذه العلاقة من غير أن يبرر هذا الرفض مادام أنه وافق على هذا الاقتران!!. قبل هذه الأجيال من مجتمعنا التي نشأت منذ حوالي الثلاثين سنة الماضية، كان الحب شيئاً طبيعياً، خاصة، لدى أهل البادية، كونهم أقرب إلى الفطرة الإنسانية، إذ كان معروفا ومقبولا أن فلانا يحب فلانة أو فلانة تحب فلانا، ويستطيعون اللقاء من غير أن يثير ذلك حفيظة الأهل، كونهم يعرفون أخلاقيات الرجل والمرأة، فما الذي حدث في مجتمعنا..؟ ما الذي جعل الهوس الجنسي هو الغالب على أي علاقة بين الطرفين: المرأة والرجل..؟
أعتقد أن المكبوتات النفسية، والفصل الحاد بين الرجل والمرأة، هما ما جعل الهوس الجنسي هو الغالب، حتى لو كانت المرأة محتشمة بعباءتها السوداء. وتظهر هذه المكبوتات في مجتمعنا أكثر ما تظهر، متى ما استطاع بعض الشباب الخروج خلف الحدود السعودية، ليمارسوا كل أمراضهم النفسية كما هو المشاهد من هنا أو هناك ، حتى أصبحت الصورة النمطية عن الشباب السعودي هناك أنه يبحث عن المتع الجنسية فقط، وهي صورة يتفق الجميع أنها سيئة ومحزنة.
الحب حالة شعورية حقيقية، وليست زائفة مهما صورها العقل التقليدي على أنه وهم، الشرط الذي أراه لحقيقة هذا الشعور أن يكون صادقاً بين الطرفين، وهو أقل بكثير مما تتصوره المرأة في الكثير من الرجال خاصة لدى الرجل الذي تربى على قيم الذكورة بحيث إنه يستغل حب المرأة ( ليلعب فيها ) كما هو وصفنا للرجل ذي العلاقات المتعددة، أو ( راعي بنات ) كما نقول في التعبير الدارج. والصدق في المحبة حينما يكون في علاقة المرأة بالرجل، فإن هذا الحب يعتبر في رأيي هو أسمى الحالات العاطفية وأرقاها على الإطلاق ويمكن أن يترجم إلى زواج وقد لا يترجم بحكم صعوبة ذلك في مجتمع يرفض علاقة الحب حتى لو كان صادقاً..
إذ إنه في رأيي، وخلافاً لما يحاول البعض أن يؤصله من ممثلي الخطاب الديني، أن الحب قد يأتي قبل الزواج، كما أنه قد يأتي بعد الزواج أيضاً، وقد يأتي من خارج الزواج كذلك، حتى لو رفضنا ذلك من الناحية الأخلاقية، لأنه في حقيقته مشاعر لا ترتبط بقيم المجتمع بقدر ما ترتبط بـ"القلب وما يهوى". لكن ـ وهنا تأتي خطورة المسألة ـ أن الكثير من مشاعر الحب ليست حقيقية، خاصة لدى الرجل، أو أنها جاءت لصالح العقل الذكوري، بحيث يحاول أن يستفيد الرجل من هذا الحب بقدر ما يستطيع ثم يترك المرأة تأكلها الحسرة، فالمرأة في تصور الرجل هي متعة خالصة يستوي بذلك الرجل العادي أو الرجل التقليدي، مع الرجل المثقف الذي يفترض فيه أنه أكثر وعياً من غيره في مثل هذه العلاقات..
وهذا ناتج برأيي عن أن المرأة لا يمكن أن ترى أن تكون علاقتها بالرجل في هذا المجتمع علاقة طبيعية بحكم الغياب بين الطرفين مما يجعل الذكورة تستفحل أكثر في حين أنه لو كان الوضع طبيعياً لما كانت هذه الرؤية حتى من المثقف وهذا ما هو ملاحظ في المجتمعات الطبيعية، إذ إن وجود المرأة لا يثير كل تلك المشاعر غير السوية. ثم إنه حتى لو كانت علاقة الحب حقيقية بين الطرفين فإنها لابد من أن تجنح إلى غير ما يراد لها كون الرجل لا يرى المرأة إلا في ظروف صعبة تجعله أو تجعلها لا يمتلكان الوقت إلا لممارسة الجنس فقط، وهنا تتحول العلاقة من علاقة حب إلى علاقة جنس بحت كأن المجتمع هو أحد المسؤولين عن تحويل هذه العلاقة المشروعة إلى علاقة غير مشروعة من غير أن يدري.
إن إشكاليتنا كمجتمع، أننا لا نرى المشاعر المفطورة على أنها مشاعر طبيعية، ولا نتعامل معها إلا وفق ما نريده لها حتى لو كان سلوكا مخالفاً للفطرة، في حين يستعصي الطبع البشري على التكييف عن طريق القوة والإجبار أو الكبت. وله ألف طريق وطريق يمكن أن يترجم هذه العواطف إلى أشكال مختلفة، ربما كان الحلم في المنام أقلها ترجمة.
الكاتب / شتيوي الغيثي
* الحقوق محفوظه لـ صحيفه الوطن