خلفيّة تاريخيّة
وهو بالأصح الصراع بين رجال الدين والعلم، أو بين الكهنوت أو المؤسسة الدينية والعلم .. وليس صراعا بين الدين في المطلق والعلم ..
من حسن الحظ أن التاريخ الإسلامي لم يعرف صراعاً بين الدين والعلم كالذي حدث في أوروبا خلال عصر النهضة الحديثة، وذلك لخلو تاريخ المسلمين من وجود مؤسسة دينية وكهنوت قوي يحتكر النظر والتأويل في أسرار الكون والحياة والإنسان، ولأن التاريخ الإسلامي لم يشهد ثورة بورجوازية رأسمالية صناعية كالتي حدثت في الغرب وأطاحت بعهد الإقطاع وسطوة الكنيسة وملأت الدنيا بالإكتشافات والإختراعات في كل جوانب الحياة الإنسانية .
أما في أوروبا فقد هيمنت الكنيسة خلال العصور الوسطى مايزيد عن ألف عام، منذ أن اعتنقت الإمبراطورية الرومانية المسيحيّة وحتى العصور الحديثة .. وكان هناك مؤسسة دينية قوية ممثلة في الكنيسة اعتمدت اللاهوت الديني وخاصة أفكار توما الأكويني، وعلى نصوص الكتاب المقدس( مثل "سفر التكوين") واستنبطت منه نظريات "علميّة" في الكون والطبيعة والأحياء .. زعمت أنها كلمة السماء، وأن كل من يخالفها هو مهرطق وكافر يستحق العقوبة من السجن والإستتابة أو القتل أو التحريق .. وزاد الأمر سوءاً السلطة الزمنية التي نازعت الكنيسة الملوك والأباطرة في مشاركتهم إياها، بالإضافة إلى سلطتها الروحية، ثم مايعرفه التاريخ من محاكم التفتيش ومطاردتها للهراطقة والسحرة والعلماء ومارتكبته من اهوال وماخلفته من آلاف الضحايا .. مما جعل من الكنيسة رمزا للتخلّف والظلاميّة والإستبداد، والحجر على حرية البحث والتفكير، وحجر عثرة في تطور العلم الحديث، وعائق أمام التفكير العقلاني الذي يربط المسبّبات بأسبابها المادية والطبيعيّة .. خرافات "دينيّة" مقدّسة ! ولعل من الطريف أن نتوقف أمام بعض من الخرافات التي اعتمدتها الكنيسة ودافعت عنها باسم الدين، وحاربت العلماء واضطهدتهم في سبيلها، وكانت جزءاً من الثقافة السائدة وقتها، لنرى أيّ عهد ظلام كان يحياه الناس في القرون الوسطى ..
- الأرض لاتدور ! : إعتمدت الكنيسة على نظرية بطليموس، وعلى بعض نصوص الكتاب المقدس لإثبات أن الأرض هي مركز الكون وأن الأفلاك تدور حولها ... فمن تلك النصوص الآية التي تخبرنا أن" يوشع" أمر الشمس وليس الأرض أن يقف في مكانها .. وماجاء في مزامير داؤد (الآية 1 من مزمور93) :"تثبّتت المسكونة لاتتزعزع" .. وماجاء في الإصحاح الأول من سفر الجامعة: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلي موضعها حيث تشرق" .. وأن الأرض هي مركز الكون الذي قام عليه العشاء الربّاني ..
- الأرض ليست كروية ! :وحارب رجال الدين ضمناً القول بكروية الأرض، ومايترتّب عليه من عمران الجزء المقابل من الكرة الأرضية .. وجاء في أحد التقارير النصّ التالي :" انه لمن الخطأ أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رؤسهم وبوجود نباتات واشجار تنمو ضاربة إلى اسفل، ومطر وجليد يصيب سطح الأرض من تحت إلي فوق، أليس هذا هو ما يترتب على الاعتقاد بان الوجه المقابل لموطننا من الأرض معمور بالخلائق ..!!" .. وهذا يشبه منطق والد أحد التلاميذ في أحد أفلام فؤاد المهندس أستاذ الجغرافيا، عندما قدم شكوى لمدير المدرسة ضد المدرّس الذي يقول بدوران الأرض :" يعني لو كانت الأرض تدور مش حالاقي بيتنا في مكانه !!؟؟"
- كُفر مدرّسي الرياضيات ! : "
الهندسة رجسٌ من الشيطان، وينبغي استبعاد علماء الرياضيات باعتبارهم مؤلّفي كل الهرطقات .." هذي كلمة لقسّيس دومينيكاني هاجم فيها إكتشاف الكواكب السيارة السبعة حول الشمس، وقد نال بسببها ترقية من الكنيسة .. !
وفي إيطاليا إضطهد أستاذ رياضيات في جامعة بيزا وأُضطُرّ إلى التسوّل، وأُكرِه أوليفا أن ينتحر فراراً من عذاب محكمة التفتيش، وألقى بنفسه من النافذة .. ولعل السبب هو ارتباط مادة الرياضيات بالفلك والأجرام السماوية .. وكونها تشتق معادلات رياضية تبرهن البدع والمقولات الكفرية عن كروية الأرض ودورانها حول الشمس(!) ومايؤدي إلى الكفر فهو كفر .. !
تعليق : اشكروا الله يا مدرسّي مادة الرياضيّات أنه لاتُنصَب لكم المشانق .. !! - ضد نظرية التطوّر : هاجمت الكنيسة نظرية داروين في التطور، باعتبار أن أنواع الكائنات الحية لاتتطور ولاتتبدل ولاتزيد على الأنواع المذكورة في سفينة نوح .. وقد وقعت الكنيسة في ورطة كبيرة بعد اكتشاف امريكا، وظهور أنواع من الحيوانات غير مذكورة في "العهد القديم" وفي سفينة نوح بعد استقرارها على الجبل .. وهذه بدعة تخالف مذهب السلف الصالح و"المعلوم من الدين بالضرورة" .. !
وفى تولوز حوكم العالم الإيطالي lucilia vanini لمجرد قوله بالتطور من أولي الكائنات إلى اعلاها فمزق لسانه واعدم حرقا .. - الأمراض عفاريت ! :
الأمراض هي عقوبة إلهية بسبب الذنوب والمعاصي، ومصدرها هو الشيطان، أو السحر، أو عفاريت تلبس جسم الإنسان وتستقرّ فيه .. وكذلك الكوارث الطبيعيّة من زلازل وفيضانات وأعاصير .. وهذا يشبه من يقولون عندنا إن الزلازل هي عقوبة إلهية لأناس ظالمين، وعواصف الغبار والأتربة على مدينة "الرياض" هي إنذار إلهي !، وإن فيضان "تسونامي" غضب إلهي على المفاسد والإنحرافات الأخلاقية في شواطئ العراه وغيرها .. وإن العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان هو انتقام ربّاني من هيفاء وهبي ونانسي عجرم .. !!
التعليق :"كأن الطبيعة تهذي مثلما يهذون" كلمة للفيلسوف اسبينوزا ..
- لايجوز استخدام التخدير في العمليات الجراحيّة للتخفيف من الآلام فهذا مخالف لإرادة الله .. وحتى في حالات الولادة .. فقد جاء في الكتاب المقدّس (سفر التكوين – آية 16 من الإصحاح الثالث) من كلام الله لحواء :" تكثيراً أكثر أتعاب حبَلك، بالوجع تلدين أولادك" ..
- حارب رجال الدين استعمال اللقاحات ضد الأمراض، ومنها لقاح الجدري، وجاء في بيان أعدّه مجموعة من قساسة اسكتلندا :"إن التلقيح يعتبَر محاولة لإصابة حكم الله وتقديره بالإرتباك .. !"، وقال احد القساوسة :"إذا كنا ابتلينا بمرض الجدري فإن ذلك يرجع إلى ما مارسناه من عربدة في الشتاء الماضي، فقد انغمسنا في شهوات الجسد لدرجة أثارت غضب الله .. !" جاليليو جاليلي .. سيرة حياة 
جاليليو
- هو أحد أبرز علماء الرياضيّات والفيزياء في عصر النهضة الحديثة .. ولد في بيزا بإيطاليا عام 1564م .. ورغم أن أسرته كانت تدفعه باتجاه دراسة الطب إلا أنه اتجه نحو الرياضيات والفيزياء والفلسفة التي كان يعتبرها "علوم الله" ..
- استعمل التلسكوب المعروف وقتها باسم "عدسة التجسّس"، وقام بتطويره وتقوية مدى رؤيته عدّة مرّات، وأجرى عليه تطبيقات عمليّة مختلفة، في رؤية السفن من بعيد وفي الميدان العسكري .. وعندما رفع جاليليو منظاره نحو السماء كان ذلك منعطفاً حاسماً في مسيرة العلم الحديث ..
- استطاع جاليليو في مدى شهرين أن يكتشف من الكواكب والجرام السماويّة مالم تكتشفه البشريّة قبله في قرون طويلة .. ومن الأشياء التي شاهدها لأول مرّة تضاريس القمر ومايحتويه من وديان ومرتفعات، وأقمار كوكب المشتري، ونجوم لايمكن رؤيتها بالعين المجرّدة .. ومع كل كوكب يكتشفة أو يكتشف أحد اقماره، أو أي جرم سماوي آخر كان يهتف صائحاً بانفعال ودهشة :" ياللهول! .. ياللهول! .. توجد نجومٌ وشموسٌ أخرى ! .. نحن لسنا وحدنا ! .. حقا لسنا مركز الكون ! .."
- وعندما اكتشف سطح القمر ومايحتويه من جبال ووديان، وكيف أن القمر جسم بارد مظلم يعكس ضوء الشمس ثار ضدّة المتعصّبون الدينيّون وقالوا :" إن سِفر التكوين لايؤيد هذا القول، وإن وجه القمر أجمل من أن يحتمل حُفر الوهاد وإقامة الجبال .. إن هذا لضلال مبين ..!"
- توفي جاليليو قرب فلورنسا بإيطاليا عام 1642م .. وترك وراءه تراثا يقع في 16 مجلّدا .. ومن آخرها كتاب عالج فيه نظرياته وقام بتجارب لإثباتها بالبندول والسقوط الحر .. وقد جاليليو من العلماء الذين يلجأون للتجارب العملية لإختبار نظرياتهم .. جاليليو رائد نظرية "الإعجاز العلمي"! 
زغلول النجار !
كان جاليليو مؤمنا كاثوليكياً متديّناً، بل كان صديقاً للبابا نفسه، وطالما جلسا سويّة في الليالي يرقبان النجوم والأفلاك بواسطة التلسكوب .. لم يرد جاليليو أن يتصادم مع الكتاب المقدّس بل كان يميّز بين تفسيرات رجال الدين والنص نفسه، وكان يدعو إلى تفسير الآيات وتأويلها بما يتجاوز ظاهرها الحرفي، والتوفيق بين معانيها وبين المكتشفات العلميّة الحديثة .. والتفريق بين "الحقائق" و"النظريّات" .. ونصوص جاليليو في هذا الخصوص تكاد تتطابق مع آراء الدكتور زغلول النجّار وغيره ممن يمارس التأليف والتنظير في مسألة "الإعجاز العلمي في القرآن الكريم" ويدافع عنها بالشواهد والبراهين .. لنقرأ تلك الإقتباسات من كلام جاليليو :
- " الكتاب المقدّس يجب أن يفَسَّر بحسب المكتَشَفات العلمية المبرهنة والمُثبَتة .. وإن فرضيّة كوبرنيكس ليست أداة رياضيّة لحساب مواقع الأفلاك فقط، بل حقيقة فيزيائية لابد من الإعتراف بها .."
- " إن فهم رجال الدين للكتاب المقدّس وتفسيرهم له هو الخطأ، وليس الخطأ في الكتاب المقدّس".
- "الكتاب المقدس هو كتاب كيف نستعد للذهاب للسماء، وليس كتابا عن السماء وكيف تدور السماء ..".
- "كيف يمكن لشخص أن يغيّر كلام الله وامامه عمل وفعل الله في السماء ".

بطليموس
وفي اعتقادي أن دوافع جاليليو هي رغبته في عدم تصادم العلم مع الإيمان الديني ومع رجال الكنيسة تحديدا، والرغبة في إفساح المجال للعلم والمكتشفات وإعطاءها مشروعية دينية بعد إعادة تأويل النص المقدّس ليتوافق معها .. وهو يرى بعينه إضطهاد رجال الدين للعلماء المخالفين .. ولكن محاولات جاليليو لم تنجح ولم تنطلِ على الكنيسة .. فقد كان للكنيسة تصور معيّن للعالم قائم على أساس معتقدات أرسطو الفلسفية القائلة بثبات الأجرام السماوية وعدم تغيّرها، وعلى أساس نظرية بطليموس الفلكية التي تقول بأن الأرض مركز الكون وأن الكواكب تدور حولها .. ومركزية الأرض تعني مركزية الإنسان في الكون .. فكيف يتأتى لجاليليو أن ينتقد نظريات أرسطو وبطليموس المقدّسة لدى الكنيسة، وأن يروّج لنظرية كوبرنيكس التي ترى أن الشمس هي مركز الكون (أو المجموعة الشمسية) وأن الأرض هي التابع الذي يدور في فلكها ؟؟ هذا شيء لايمكن أن تقبل به الكنيسة مهما حاول جاليليو أن يجد تأويلات لنصوص الكتاب المقدّس تتواءم معه .. 
كوبرنيكس
وقد أرسل جاليليو رسالة إلى الفلكي الشهير "كبلر" يبيّن فيها إعتقاده بصحة نظرية كوبرنيكس .. ولكنه لم يجاهر بمعتقده هذا إلا في عام 1613م وفي كتابه:"البقع الشمسية"، مما يعني الصدام مع الكنيسة لامحالة، وهذا ماحصل حيث إعتُبِر من المارقين على الكنيسة في عام 1614متطوّرات محاكمة جاليليو
- أرسل جاليليو إلى احد أصدقائه رسالة خاصة يوضح فيها تأيييده لنظرية كوبرنيكس .. وبعدما تحققت الكنيسة من الأمر أجرت تحقيقاً انتهى بمنع جاليليو من التعاطي مع بنود نظرية كوبرنيكس في تحذير شديد اللهجة ..