منتديات مملكة ذوقيالتسجيلبحثلوحة التحكم   منتديات مملكة ذوقياضف منتديات مملكة ذوقي لمفضلتكالاتصال بنا

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 
 
العودة   منتديات مملكة ذوقي > منتديات ذوقي المنوعه > مملكة ذوقي التعليميه
التسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم بحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة
 
 


رد
 
LinkBack أدوات الموضوع تقييم الموضوع طرق عرض الموضوع
 
 
قديم 12-07-2006, 02:54 PM   #1 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي موسوعة بحوث لبعض الشخصيات والدول..


ابن سيرين.. رائد تفسير الأحلام




عُرف محمد بن سيرين بالزهد والورع، وكان محدثًا بارعًا وفقيهًا متمكنًا، وقد اجتمع على حبه أهل زمانه، حيث وجدوا فيه من العلم والحكمة والأدب والزهد والتواضع ما جعله يتربع في أفئدتهم ونفوسهم وعقولهم ويحظى بتلك المنزلة الرفيعة.


الميلاد والنشأة


ولد أبو بكر محمد بن سيرين البصري الأنصاري في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة (33 هـ = 653م)، فهو من التابعين الذين عُرفوا بالزهد والورع، وكان إمام عصره في علوم الدين، وقد اشتهر بالعلم والفقه وتعبير الرؤيا.


وكان أبوه مولى لأنس بن مالك، وهو من سبي "عين التمر"، وقد كاتبه أنس على عشرين ألف درهم، فأداها وعُتِقَ. وكانت أمه صفية مولاة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.


شيوخه وتلاميذه


وقد سمع محمد بن سيرين من عدد من الصحابة منهم: عبد الله بن عمر، وجندب بن عبد الله البجلي، وأبو هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعمران بن حصين، وعدي بن حاتم، وسليمان بن عامر، وأم عطية الأنصارية.


كما سمع من عدد من التابعين منهم: عبيدة السلماني، ومسلم بن يسار، وشريح، وقيس بن عباد، وعلقمة، والربيع بن خيثم، ومعبد بن خيثم، وحميد بن عبد الرحمن الحميري، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأخته حفصة بنت أبي بكر، وغيرهم كثيرون.


وذكر أنه أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم). وروى عنه عدد كبير من التابعين، منهم: الشعبي وأيوب، وقتادة وسليمان التيمي وغيرهم.


زهده وورعه


كانت حياة ابن سيرين تفيض بالروحانية وتشع بالزهد والورع، فقد كان كثير الصوم والذكر، يصوم يومًا ويفطر يومًا، وكان اليوم الذي يفطر فيه يتغدى ولا يتعشى، ثم يتسحر ويصبح صائمًا.


وكان دائم الذكر والدعاء لله ، وكان له سبعة أوراد يقرؤها بالليل، فإذا فاته منها شيء قرأه في النهار، وكان يحيي الليل في رمضان.


روى هشام بن حسان قال: "ربما سمعت بكاء محمد بن سيرين في جوف الليل وهو يصلي،


وكان إذا ذُكر الموت مات كل عضو منه على حِدَتِهِ، وتغيّر لونه واصفر، وكأنه ليس بالذي كان". وقد وصفه الحافظ أبو نعيم في طبقاته بقوله: "كان ذا ورع وأمانة وحيطة وحسانة، كان بالليل بكّاء، وبالنهار بسّامًا سائحًا، يصوم يومًا ويفطر يومًا". وقال عنه بكر بن عبد الله المزني: "من سره أن ينظر إلى أورع أهل زمانه؛ فلينظر إلى محمد بن سيرين، فوالله ما أدركنا من هو أورع منه".


قدوة حتى في السجن


وكان ابن سيرين على قدر من الثراء، وكان له ثلاثون ولدًا، ولكنه امتُحن بفقد المال والولد؛ فقد توفي أبناؤه جميعًا فلم يبق منهم غير عبد الله.


كما فقد أمواله حينما أصيب بخسارة كبيرة في تجارته، وقد تعرض للسجن، فقد حُبس في دين ركبه لغريمٍ له، فقد كان اشترى زيتًا بأربعين ألف درهم، فوجد في زقٍ من هذه الصفقة فأرة، فما كان منه إلا أن صب الزيت كله، ولم يبع شيئًا منه، فقد أبت عليه أمانته وخلقه وورعه أن يطعمه الناس أو يبيعهم إياه؛ حيث ظن أن الفأرة كانت في المعصرة.


وقد ضرب ابن سيرين أروع الأمثلة في الأمانة والصدق وحسن الخلق حتى وهو في سجنه، حيث إنه لمّا حبس في دينه، وهو من هو في زهده وورعه وعلمه، وكانت شهرته قد طبقت الآفاق وعرفه الناس وعلموا فضله ومكانته، فقد تعاطف معه سجانه، وأبت عليه مروءته أن يبات هذا العالم الجليل في جنبات السجن، وأن يقضي ليله خلف القضبان كالمجرمين، فقال له: "إذا كان الليل فاذهب إلى أهلك، وإذا أصبحت فتعال"، فما كان من ذلك العالم القدوة إلا أن أجابه بثقة وإيمان: "لا والله لا أعينك على خيانة السلطان".


وتجلت أمانته وصدقه في موقف آخر تعرض له وهو في سجنه أيضا؛ فحينما حضرت الوفاة أنس بن مالك أوصى أن يغسّله محمد بن سيرين، فلما أتوه في ذلك قال: "أنا محبوس"! قالوا: قد استأذنّا الأمير فأذن لك. فإذا به يجيبهم بتلك الهمة العالية، والوعي الشديد: "إن الأمير لم يحبسني، وإنما حبسني الذي له الحق"، فلما أذن له صاحب الحق خرج فغسّله.


في حياته الخاصة


كان ابن سيرين مثالا صادقًا للمسلم الحق وللخلق الرفيع، وكانت حياته حافلة بالصور الرائعة للأمانة والزهد والبر والتواضع، يقدم في حياته وسلوكه القدوة والنموذج للداعية الواعي والعابد المخلص والصديق الناصح والابن البار والعالم المجتهد والتاجر الأمين.


لقد كان بارًا بأمه شديد اللين والتواضع لها، يخفض لها جناح الذل والرحمة حتى لا يُسمع له صوت بحضرتها ولا يكلمها إلا عن ضعف وخضوع، حتى قال عنه بعض آل سيرين: "ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه إلا وهو يتضرع".


تغلب ابن سيرين على محنته بالصبر والإيمان والتسليم بقضاء الله ، فحينما ركبه الدين لم يقنط ولم ييئس، وإنما كان صابرًا شاكرًا، ووجد في الزهد الدواء لكل داء، ووجد في الذكر والدعاء البرء والشفاء، فخفّف من مطعمه حتى كان أكثر أدمه السمك الصغار، ووصل ليله بنهاره في الصلاة والذكر والدعاء.


ثناء العلماء والفقهاء عليه


نال ابن سيرين حب وثناء وتقدير الكثير من العلماء ممن عاصروه وممن جاءوا من بعده، وشهد له كثيرون بالفضل والزهد والورع والعلم والفقه.


فقال عنه الخطيب البغدادي في تاريخه: "كان ابن سيرين أحد الفقهاء المذكورين بالورع في وقته". وقال عنه مورق العجلي: "ما رأيت رجلا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين". وقال ابن عون: "كان ابن سيرين من أرجى الناس لهذه الأمة وأشدهم أزرًا على نفسه". وقال عثمان البتي: "لم يكن بهذه البلدة أحد أعلم بالقضاء من محمد بن سيرين". وقال خلف: "كان محمد بن سيرين قد أُعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا فكان الناس إذا رأوه ذكروا الله". وقال يونس بن عبيد: "أما ابن سيرين فإنه لم يعرض له أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما". وقال سفيان بن عيينة: لم يكن في كوفي ولا بصرى ورع مثل ورع محمد بن سيرين".


رواياته من الحديث


روى محمد بن سيرين عددًا من الأحاديث، فقد سمع عن عدد من الصحابة وروى عنهم، ومما أسند ابن سيرين من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) ما رواه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم فإنما أطعمه الله وسقاه" أخرجه البخاري.


وروى أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه" أخرجه البخاري. وروى عنه أيضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "من هم بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب وإن عملها كتبت" أخرجه مسلم.. وقد بلغ عدد مروياته في الكتب التسعة (874) حديثًا.


آثاره ومؤلفاته


عرف ابن سيرين بالحكمة والزهد، وكان بليغًا فصيحًا في مواعظه، ومن أقواله التي صارت تجري مجرى الأمثال لفصاحتها وبلاغتها، ويسرها: "إذا أراد الله عز وجل بعبد خيرًا جعل له واعظًا من قلبه يأمره وينهاه".. "ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم وتكتم خيره".. "الكلام أوسع من أن يكذب فيه ظريف".. "لا تكرم أخاك بما يشق عليك".. "العزلة عبادة".


تفسير الأحلام


ويعد ابن سيرين الرائد الأول لعلم تفسير الأحلام، وهو أول من أفرد له التصانيف، وجعله علمًا له أدواته وأصوله وقواعده وشروطه.


وقد صنف ابن سيرين كتابين يعدان أساسًا لمن صنّف بعده في هذا الفن وهما: تعبير الرؤيا، وتفسير الأحلام الكبير. وقد طبعا مرارًا.


منهجه في تفسير الأحلام


أوضح ابن سيرين في مقدمة كتابه "تعبير الرؤيا" شروط تعبير الرؤيا التي يجب أن يكون عليها من يتعرض لهذا الفن، فيقول: "إن الرؤيا لما كانت جزءًا من ستة وأربعين جزءا من النبوة، لزم أن يكون المعبر عالمًا بكتاب الله ، حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خبيرًا بلسان العرب واشتقاق الألفاظ، عارفًا بهيئات الناس، ضابطًا لأصول التعبير، عفيف النفس، طاهر الأخلاق، صادق اللسان؛ ليوفقه الله لما فيه الصواب ويهديه لمعرفة معارف أولي الألباب".


ويرى ابن سيرين أن الرؤيا قد تُعبّر باختلاف أحوال الأزمنة والأوقات، فتارة تعبر من كتاب الله ، وتارة تعبر من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما قد تعبر بالمثل السائر. فأما التأويل من القرآن فكالبيض يُعبّر عنها بالنساء ، لقوله تعالى: "كأنهن بيض مكنون"، وكالحجارة يعبر عنها بالقسوة، لقوله تعالى: "ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة".


وأما التأول من حديث النبي (صلى الله عليه وسلم) فكالضلع يعبر عنه بالمرأة؛ لأن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "المرأة خُلقت من ضلع أعوج"، وكالفأرة يعبر عنها بالمرأة الفاسقة لقوله (صلى الله عليه وسلم) "الفأرة فاسقة"، وكالغراب الذي يعبر عنه بالرجل الفاسق؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) سمّاه فاسقًا.


نماذج من تفسير الرؤيا عنده


جعل ابن سيرين لكل رمز من الرموز التي يراها النائم في منامه معنى يدل عليه في سياق الجو الذي يحيط به والملابسات والحوادث التي يظهر من خلالها؛ فمن رأى أنه دخل الجنة، فإنه يدخلها، وهي بشارة له بما تقدم من صالح الأعمال، فإن رأى أنه يأكل ثمارها، أو أعطاها غيره فإن ثمار الجنة كلام طيب، مثل كلام البر والخير بقدر ذلك.


أما رؤيا المطر فإنها دليل غيث ورحمة، وكذلك الغمام، فإن كان خاصًا في موضع دار أو محلة دون غيرها كان ذلك أوجاعًا أو أمراضًا، أو خسارة في الدنيا تقع بأهل ذلك الموضع المخصوص بها.


ورؤية الحية تأويلها عدو كاتم العداوة مبالغ فيها بقدر عظم الحية وهيبتها في المنظر. والنور في التأويل هداية. والظلمة ضلال. والطريق طريق الحق، والميل عنه ميل إلى الباطل. والأسد عدو متسلط ذو سلطان وبأس شديد. أما الكلب فعدو غير بالغ في عدواته، وقد ينقلب صديقًا، ولكنه دنيء النفس قليل المروءة.


وفاته


توفي ابن سيرين بالبصرة في (9 من شوال 110هـ = 15 من يناير 729م) عن عمر بلغ نحو ثمانين عامًا.


أهم مصادر الدراسة:


تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي- دار الكتب العلمية – بيروت: د.ت.


تهذيب الأسماء واللغات: أبو زكريا محيي الدين بن شرف النووي- مكتب ابن تيمية – القاهرة: د.ت.


حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني- دار الكتب العلمية – بيروت: 1409 هـ = 1988م.


صفة الصفوة: جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي – تحقيق: محمود فاضوري- دار المعرفة – بيروت: د.ت.


المعارف: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري – تحقيق: د. ثروت عكاشة- دار المعارف بمصر – القاهرة: 1389 هـ = 1969م.

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:00 PM   #2 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي


ابن ماجه.. صاحب السنن




فتحت قزوين في خلافة عثمان بن عفان، وأصبح البراء بن عازب الصحابي الجليل أول والٍ عليها سنة (24هـ= 644م) ومنذ ذلك الحين دخلها الإسلام، واستوطنها الفاتحون العرب، وتسرب إليها اللسان العربي، وما كاد يطل القرن الثالث الهجري حتى اكتسبت قزوين شهرة كبيرة في فن الحديث، وبرز فيه عدد كبير من المحدثين، مثل: الحافظ علي بن محمد أبي الحسن الطنافسي المتوفى سنة (233هـ= 847م)، والحافظ عمرو بن رافع البجلي المتوفى سنة (237هـ= 851م)، وإسماعيل بن توبة المتوفى سنة (247هـ=861م)، وابن ماجه صاحب السنن موضع حديثنا.

وبلغ من مكانة قزوين واتساع الحركة العلمية فيها أن خصها بعض أبنائها بالتأريخ لها، وترجمة أعيانها وعلمائها، ومن أشهر هذه الكتب: التدوين في أخبار قزوين للحافظ الرافعي المتوفى سنة (622هـ= 1225م).

استقبلت قزوين مولد أبي عبد الله محمد بن يزيد الربعي، المعروف بابن ماجه سنة (209هـ= 824م) وكانت آنذاك حاضرة من حواضر العلم تموج بالحركة والنشاط العلمي، وتزخر بحلقات العلماء والفقهاء، شأنها في ذلك شأن المراكز العلمية الأخرى ذات الإشعاع الحضاري، مثل: بغداد، والكوفة، والبصرة، ومرو، وأصفهان، وكانت الدولة العباسية تعيش أزهى فتراتها قوة وحضارة، وكان المأمون رجل المرحلة، ورائد النهضة ومفجر الطاقات.

في هذا الجو العلمي عاش ابن ماجه حياته الأولى؛ فحفظ القرآن الكريم، وتردد على حلقات المحدثين التي امتلأت بها مساجد قزوين، حتى حصّل قدرًا كبيرًا من الحديث ثم تطلع إلى الرحلة في طلب الحديث، وكانت من تقاليد العصر التي التزمها كبار المحدثين لملاقاة الشيوخ، استنادًا إلى نصوص الحديث التي تحث على طلب العلم، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من سلك طريقا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة"، وقد صدّر الإمام البخاري كتاب العلم في صحيحه بباب الخروج في طلب العلم، وجاء في مقدمة الباب: "ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد". وبلغ من أهمية الرحلة في طلب الحديث أن وضع فيها مؤلفات تضم الأصول والإرشادات التي على طالب العلم المرتحل أن يتتبعها، ويلتزم بها.

الرحلة في طلب الحديث

ولم يشذ ابن ماجه عن هذا التقليد العلمي المتبع، فخرج سنة (230هـ = 844م) وهو في الثانية والعشرين من عمره في طلب الحديث ومشافهة الشيوخ والتلقي عليهم، فرحل إلى خراسان، والبصرة والكوفة، وبغداد ودمشق، ومكة والمدينة، ومصر، ومن شيوخه إبراهيم بن المنذر تلميذ البخاري المتوفى سنة (236هـ= 850م)، والحافظ الحلواني أبو محمد حسن بن علي بن محمد الخلال، والحافظ الزبير بن بطار، وسلمة بن شبيب، والحافظ يعقوب بن حميد، وإسماعيل بن موسى الفزاري، وحرملة بن يحيي، وزهير بن حرب.

وبعد رحلة شاقة استغرقت أكثر من خمسة عشر عامًا عاد ابن ماجه إلى قزوين، واستقر بها، منصرفًا إلى التأليف والتصنيف، ورواية الحديث بعد أن طارت شهرته، وقصده الطلاب من كل مكان، من أمثال: إبراهيم بن دينار الجرشي، وإسحاق بن محمد القزويني، وسليمان بن يزيد القزويني، وابن الحسن بن قطان، وأبي بكر حامد الأبهري وغيرهم.

مؤلفاته

كان ابن ماجه موضع ثقة معاصريه وتقديرهم، معدودًا في كبار الأئمة وفحول المحدثين، فيصفه صاحب كتاب التدوين في تاريخ قزوين بأنه "إمام من أئمة المسلمين، كبير متقن، مقبول باتفاق". ويقول عنه الذهبي: "إنه حافظ صدوق واسع العلم". ولم تكن شهادة المؤرخين له بالسبق والتقدم إلا لسعة علمه ولما ترك من كتب ومصنفات، غير أن معظمها قد امتدت إليه يد الإهمال والنسيان، فضاع مع ما ضاع من ذخائر تراثنا العظيم، فكان له تفسير للقرآن وصفه ابن كثير في كتابه البداية بأنه تفسير حافل، وأشار إليه السيوطي في كتابه "الإتقان في علوم القرآن"، وله أيضًا كتاب في التاريخ ظل موجودًا بعد وفاته مدة طويلة، فقد شاهده الحافظ ابن طاهر المقدسي المتوفى سنة (507هـ= 1113م)، ورأى عليه تعليقًا بخط جعفر بن إدريس تلميذ ابن ماجه، وقال عنه ابن كثير بأنه تاريخ كامل، ووصفه ابن خلكان بأنه تاريخ مليح.

سنن ابن ماجه

غير أن كتابه "السنن" هو ما بقي من كتبه، وقد طبقت شهرته الآفاق، وبه عرف ابن ماجه، واحتل مكانته المعروفة بين كبار الحفاظ والمحدثين، وقد عد الكتاب رابع كتب السنن المعروفة، وهي سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومتمم للكتب الستة التي تشمل إلى ما سبق صحيح البخاري ومسلم، وهي المراجع الأصول للسنة النبوية.

والمتقدمون من العلماء كانوا يعدون هذه الكتب الأصول خمسة ليس من بينها سنن ابن ماجه، غير أن المتأخرين أدخلوها ضمن الكتب الستة المعتمدة، وأول من جعلها كذلك هو الإمام الحافظ ابن طاهر المقدسي، الذي وضع كتابًا في شروط الأئمة الستة، وآخر في أطراف الكتب الستة، أي في جميع الأحاديث التي تشتمل عليها، وبعد ذلك اتفق معه في الرأي جميع الأئمة.

وكان العلماء قد بحثوا أي المصنفين يكون السادس بين كتب الصحاح: موطأ الإمام مالك أم سنن ابن ماجه، ويجيب على هذا العلامة المحدث عبد الغني النابلسي المتوفى سنة (1143هـ= 1730م)، فيقول في مقدمة كتابه: "ذخائر المواريث في الدلالة على موضع الحديث": "وقد اختُلف في السادس، فعند المشارقة هو كتاب السنن لأبي عبد الله محمد بن ماجه القزويني، وعند المغاربة الموطأ للإمام مالك بن أنس، ولكن عامة المتأخرين اتفقوا على أن سنن ابن ماجه هو أولى من الموطأ، وهو السادس في الصحاح". وقال السخاوي: "وقدموه على الموطأ لكثرة زوائده على الخمسة بخلاف الموطأ".

خصائص سنن ابن ماجه وشروحه

اشتهر الكتاب بدقة تبويبه وكثرتها، فهو يشتمل على مقدمة وسبعة وثلاثين كتابًا، وألف وخمسمائة باب، تضم أربعة آلاف وثلاثمائة وواحدا وأربعين حديثًا، ومن هذه الأحاديث 3002 حديث اشترك معه في تخريجها أصحاب الكتب الخمسة، وانفرد هو بتخريج 1329 حديثًا، وهي الزوائد على ما جاء في الكتب الخمسة، من بينها 428 حديثًا صحيح الإسناد و119 حديثًا حسن الإسناد، وهذا ما أشار إليه ابن حجر بقوله: "إنه انفرد بأحاديث كثيرة صحيحة".

وقد لقي الكتاب عناية من كبار الحفاظ والمحدثين فأولوه عناية بالشرح، ومن هذا الشروح:

شرح سنن ابن ماجه، للحافظ علاء الدين مغلطاي، المتوفى سنة (762هـ= 1360م)

ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه، لسراج الدين عمر بن علي بن الملقن، المتوفى سنة (804هـ- 1401م)، واقتصر فيه على شرح الأحاديث التي انفرد بروايتها ابن ماجه، ولم تدرج في كتب الصحاح الخمسة.

الديباجة في شرح سنن ابن ماجه، للشيخ كمال الدين محمد بن مرسي الدبيري، المتوفى سنة (808هـ= 1405م).

مصباح الزجاجة في شرح سنن ابن ماجه، للجلال الدين السيوطي، المتوفى سنة (911هـ= 1505م)

شرح سنن ابن ماجه، للمحدث محمد بن عبد الهادي السندي، المتوفى سنة ( 1138هـ= 1725م)

وقد طبع الكتاب مبكرًا، فكان من أوائل الكتب التي أخرجتها المطابع العربية، فنُشر في الهند بدلهي سنة (1264هـ= 1847م)، وعليه حاشيتان، إحداهما: مصباح الزجاجة للسيوطي، والأخرى: إنجاح الحاجة لمولوي عبد الغني الدهلوي، ثم نشر بالقاهرة سنة (1313هـ= 1895م) وعليه حاشية السندي، وهو شرح مختصر يُعْنى بضبط غريب الألفاظ وبيان الإعراب بصفة خاصة، ثم نشرت السنن وحققها تحقيقا علميا العالم الجليل محمد فؤاد عبد الباقي، ورقّم كتبها وأبوابها وأحاديثها في سنة (1371هـ= 1951م)، وقد صدرت في مجلدين ومزودة بفهارس متعددة تعين الباحث على الوصول إلى الحديث في سهولة ويسر.

وفاة ابن ماجه

أمضى ابن ماجه بقية عمره في قزوين خادمًا للحديث معنيًا بروايته، مقبلا على تلاميذه حتى توفي يوم الإثنين، ودفن يوم الثلاثاء الموافق (22 من رمضان 273هـ= 20 من نوفمبر 886هـ).

من مصادر الدراسة:

ابن ماجه ـ سنن ابن ماجه ـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ـ دار الحديث ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.

الذهبي ـ سير أعلام النبلاء ـ تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت .

ابن خلكان ـ وفيات الأعيان ـ تحقيق إحسان عباس ـ دار صادر ـ بيروت ـ (1398هـ= 1978م)

المقريزي ـ المقفى الكبير ـ تحقيق محمد اليعلاوي ـ دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ (1411 هـ- 1991م)

عبد العزيز عزت عبد الجليل ـ الإمام ابن ماجه صاحب السنن ـ مطبوعات مجلة الأزهرـ القاهرة 1410هـ.

عبد الرحمن عتر ـ معالم السنة النبوية ـ مكتبة المنارـ الأردن ـ (1406هـ= 1986م)

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:02 PM   #3 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي


البخاري.. رحلة مع الخلود




نهض بالحديث النبوي دراية ورواية رجال نابهون من العرب أو من أصول غير عربية، لكن الإسلام رفع أصلهم، وأعلى العلم ذكرهم، وبوأهم ما يستحقون من منزلة وتقدير؛ فهم شيوخ الحديث وأئمة الهدى، ومراجع الناس فيما يستفتون.


وكان الإمام البخاري واحدًا من هؤلاء، انتهت إليه رئاسة الحديث في عصره، وبلغ تصنيف الحديث القمة على يديه، ورُزِق كتابه الجامع الصحيح إجماع الأمة بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، واحتل مكانته في القلوب؛ فكان العلماء يقرءونه في المساجد كما تتلى المصاحف، وأوتي مؤلفه من نباهة الصيت مثلما أوتي أصحاب المذاهب الأربعة، وكبار القادة والفاتحين.


المولد والنشأة


في مدينة "بخارى" وُلد "محمد بن إسماعيل البخاري" بعد صلاة الجمعة في (13 من شوال 194هـ = 4 من أغسطس 810م)، وكانت بخارى آنذاك مركزًا من مراكز العلم تمتلئ بحلقات المحدِّثين والفقهاء، واستقبل حياته في وسط أسرة كريمة ذات دين ومال؛ فكان أبوه عالمًا محدِّثًا، عُرِف بين الناس بحسن الخلق وسعة العلم، وكانت أمه امرأة صالحة، لا تقل ورعًا وصلاحًا عن أبيه.


والبخاري ليس من أرومة عربية، بل كان فارسيَّ الأصل، وأول من أسلم من أجداده هو "المغيرة بن برد زبة"، وكان إسلامه على يد "اليمان الجعفي" والي بخارى؛ فنُسب إلى قبيلته، وانتمى إليها بالولاء، وأصبح "الجعفي" نسبًا له ولأسرته من بعده.


نشأ البخاري يتيمًا؛ فقد تُوفِّيَ أبوه مبكرًا، فلم يهنأ بمولوده الصغير، لكن زوجته تعهدت وليدها بالرعاية والتعليم، تدفعه إلى العلم وتحببه فيه، وتزين له الطاعات؛ فشب مستقيم النفس، عفَّ اللسان، كريم الخلق، مقبلا على الطاعة، وما كاد يتم حفظ القرآن حتى بدأ يتردد على حلقات المحدثين.


وفي هذه السنِّ المبكرة مالت نفسه إلى الحديث، ووجد حلاوته في قلبه؛ فأقبل عليه محبًا، حتى إنه ليقول عن هذه الفترة: "ألهمت حفظ الحديث وأنا في المكتب (الكُتّاب)، ولي عشر سنوات أو أقل". كانت حافظته قوية، وذاكرته لاقطة لا تُضيّع شيئًا مما يُسمع أو يُقرأ، وما كاد يبلغ السادسة عشرة من عمره حتى حفظ كتب ابن المبارك، ووكيع، وغيرها من كتب الأئمة المحدثين.


الرحلة في طلب الحديث


ثم بدأت مرحلة جديدة في حياة البخاري؛ فشدَّ الرحال إلى طلب العلم، وخرج إلى الحج وفي صحبته أمه وأخوه حتى إذا أدوا جميعًا مناسك الحج؛ تخلف البخاري لطلب الحديث والأخذ عن الشيوخ، ورجعت أمه وأخوه إلى بخارى، وكان البخاري آنذاك شابًّا صغيرًا في السادسة عشرة من عمره.


وآثر البخاري أن يجعل من الحرمين الشريفين طليعة لرحلاته؛ فظل بهما ستة أعوام ينهل من شيوخهما، ثم انطلق بعدها ينتقل بين حواضر العالم الإسلامي؛ يجالس العلماء ويحاور المحدِّثين، ويجمع الحديث، ويعقد مجالس للتحديث، ويتكبد مشاق السفر والانتقال، ولم يترك حاضرة من حواضر العلم إلا نزل بها وروى عن شيوخها، وربما حل بها مرات عديدة، يغادرها ثم يعود إليها مرة أخرى؛ فنزل في مكة والمدينة وبغداد وواسط والبصرة والكوفة، ودمشق وقيسارية وعسقلان، وخراسان ونيسابور ومرو، وهراة ومصر وغيرها…


ويقول البخاري عن ترحاله: "دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد".


شيوخه


ولذلك لم يكن غريبًا أن يزيد عدد شيوخه عن ألف شيخ من الثقات الأعلام، ويعبر البخاري عن ذلك بقوله: "كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده". ويحدد عدد شيوخه فيقول: "كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث".


ولم يكن البخاري يروي كل ما يأخذه أو يسمعه من الشيوخ، بل كان يتحرى ويدقق فيما يأخذ، ومن شيوخه المعروفين الذين روى عنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو حاتم الرازي.


العودة إلى الوطن


وبعد رحلة طويلة شاقة لقي فيها الشيوخ ووضع مؤلفاته العظيمة، رجع إلى نيسابور للإقامة بها، لكن غِيْرَة بعض العلماء ضاقت بأن يكون البخاري محل تقدير وإجلال من الناس؛ فسعوا به إلى والي المدينة، ولصقوا به تهمًا مختلفة؛ فاضطر البخاري إلى أن يغادر نيسابور إلى مسقط رأسه في بخارى، وهناك استقبله أهلها استقبال الفاتحين؛ فنُصبت له القباب على مشارف المدينة، ونُثرت عليه الدراهم والدنانير.


ولم يكد يستقر ببخارى حتى طلب منه أميرها "خالد بن أحمد الدهلي" أن يأتي إليه ليُسمعه الحديث؛ فقال البخاري لرسول الأمير: "قل له إنني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم".


لكن الحاكم المغرور لم يعجبه رد البخاري، وحملته عزته الآثمة على التحريض على الإمام الجليل، وأغرى به بعض السفهاء ليتكلموا في حقه، ويثيروا عليه الناس، ثم أمر بنفيه من المدينة؛ فخرج من بخارى إلى "خرتنك"، وهي من قرى سمرقند، وظل بها حتى تُوفِّيَ فيها، وهي الآن قرية تعرف بقرية "خواجة صاحب".


مؤلفاته


تهيأت أسباب كثيرة لأن يكثر البخاري من التأليف؛ فقد منحه الله ذكاءً حادًّا، وذاكرة قوية، وصبرًا على العلم ومثابرة في تحصيله، ومعرفة واسعة بالحديث النبوي وأحوال رجاله من عدل وتجريح، وخبرة تامة بالأسانيد؛ صحيحها وفاسدها. أضف إلى ذلك أنه بدأ التأليف مبكرًا؛ فيذكر البخاري أنه بدأ التأليف وهو لا يزال يافع السن في الثامنة عشرة من عمره، وقد صنَّف البخاري ما يزيد عن عشرين مصنفًا، منها:


الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وسننه وأيامه، المعروف بـ الجامع الصحيح.


الأدب المفرد: وطُبع في الهند والأستانة والقاهرة طبعات متعددة.


التاريخ الكبير: وهو كتاب كبير في التراجم، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد طبع في الهند سنة (1362هـ = 1943م).


التاريخ الصغير: وهو تاريخ مختصر للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه ومن جاء بعدهم من الرواة إلى سنة (256هـ = 870م)، وطبع الكتاب لأول مرة بالهند سنة (1325هـ = 1907م).


خلق أفعال العباد: وطبع بالهند سنة (1306هـ = 1888م).


رفع اليدين في الصلاة: وطبع في الهند لأول مرة سنة (1256هـ = 1840م) مع ترجمة له بالأوردية.


الكُنى: وطبع بالهند سنة (1360هـ = 1941م).


وله كتب مخطوطة لم تُطبع بعد، مثل: التاريخ الأوسط، والتفسير الكبير.


صحيح البخاري


هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي قاطبة. بذل فيه صاحبه جهدًا خارقًا، وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عامًا، هي مدة رحلته الشاقة في طلب الحديث. ويذكر البخاري السبب الذي جعله ينهض إلى هذا العمل، فيقول: كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح".


وعدد أحاديث الكتاب 7275 حديثًا، اختارها من بين ستمائة ألف حديث كانت تحت يديه؛ لأنه كان مدقِّقًا في قبول الرواية، واشترط شروطًا خاصة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرًا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معًا، هذا إلى جانب الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.


وكان البخاري لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل قبل ذلك وصلى ركعتين، وابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن.


وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه، بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.


وقد أقبل العلماء على كتاب الجامع الصحيح بالشرح والتعليق والدراسة، بل امتدت العناية به إلى العلماء من غير المسلمين؛ حيث دُرس وتُرجم، وكُتبت حوله عشرات الكتب.


ومن أشهر شروح صحيح البخاري:


"أعلام السنن" للإمام أبي سليمان الخطابي، المُتوفَّى سنة (388هـ)، ولعله أول شروح البخاري.


"الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري" لشمس الدين الكرماني، المتوفَّى سنة (786هـ = 1348م).


"فتح الباري في شرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر، المتوفَّى سنة (852هـ = 1448م).


"عمدة القاري شرح صحيح البخاري" لبدر الدين العيني سنة (855هـ = 1451م).


"إرشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري" للقسطلاني، المتوفَّى (923هـ= 1517م).


وفاة البخاري


شهد العلماء والمعاصرون للبخاري بالسبق في الحديث، ولقّبوه بأمير المؤمنين في الحديث، وهي أعظم درجة ينالها عالم في الحديث النبوي، وأثنوا عليه ثناءً عاطرًا..


فيقول عنه ابن خزيمة: "ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري".


وقال قتيبة بن سعيد: "جالست الفقهاء والعباد والزهاد؛ فما رأيت -منذ عقلت- مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة".


وقبَّله تلميذه النجيب "مسلم بن الحجاج" -صاحب صحيح مسلم- بين عينيه، وقال له: "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذِين، وسيد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله".


وعلى الرغم من مكانة البخاري وعِظَم قدره في الحديث فإن ذلك لم يشفع له عند والي بخارى؛ فأساء إليه، ونفاه إلى "خرتنك"؛ فظل بها صابرًا على البلاء، بعيدًا عن وطنه، حتى لقي الله في (30 رمضان 256هـ = 31 أغسطس 869م)، ليلة عيد الفطر المبارك.


من مصادر الدراسة:


الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد- مكتبة الخانجي- القاهرة (1349هـ= 1931م).


السبكي: طبقات الشافعية الكبرى- دار هجر- القاهرة (1413هـ= 1992م).


ابن حجر العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري (المقدمة)- دار الريان للتراث- القاهرة (1409هـ = 1988م).


يوسف الكتاني: الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث- مطبوعات مجلة الأزهر- القاهرة (1418هـ).

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:03 PM   #4 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي


ابن الجوزي.. والغوص في كل العلوم




حظي "ابن الجوزي" بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.

هو "أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبيد الله بن عبد الله بن حمادي بن أحمد بن جعفر" وينتهي إلى "أبي بكر الصديق" رضي الله عنه.

ولد ببغداد سنة [ 510هـ= 1116م] وعاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية.

وقد عرف بابن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط، ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى "فرضة الجوز" وهي مرفأ نهر البصرة.

وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد " محمد بن ناصر الحافظ" ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: "لم أستفد من أحد استفادتي منه".

شيخوخة وأساتذته

تعلم "ابن الجوزي" على عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم:

أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر [ 467 ـ 550 هـ= 1074- 1155م]: وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو أول معلم له.

أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ 465- 540هـ= 1072م-1145م]: وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة والأدب.

أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-531هـ=1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث.

أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-539هـ= 1062-1144م] وقد أخذ عنه القراءات.

منزلته ومكانته

كان "ابن الجوزي" علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح.
يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات".

مجالس وعظه

بدأ "ابن الجوزي" تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، فلم يعرف تاريخ الوعظ والمجالس الدينية ـ على مر العصور ـ مجلسًا كمجلس "ابن الجوزي" يحفل بعدد هائل من المريدين يصل إلى عشرة آلاف رجل.
وكان يحضر مجلسه الخلفاء والأمراء والسلاطين والوزراء، وكان مجلسه بإزاء داره على شاطئ "دجلة" بالقرب من قصر الخليفة، فكانت الأرض تُفرش بالحصير ليجلس عليها الناس، ثم يصعد "ابن الجوزي" المنبر، ويبتدئ القرّاء بقراءة القرآن، يتناوبون التلاوة بأصوات شجية مطربة، فإذا فرغوا من التلاوة بدأ "ابن الجوزي" خطبته، فتناول فيها تفسير الآيات التي تلاها القراء، فيأخذ بألباب وعقول سامعيه، ينظم فيها عقود الحكمة ورقائق الزهد والمواعظ، بما يرقق القلوب ويحرك الأشجان، فتدمع العيون، وتخشع النفوس، وتذوب المشاعر في خشوع وجلال للخالق العظيم يحركها الشوق والوجد والإيمان.

أقوال العلماء فيه

اتفق العلماء والأدباء على الثناء على "ابن الجوزي" فمدحوا علمه وورعه ومهارته في الخطابة والفقه والحديث والتاريخ والأدب.
قال عنه "ابن كثير": "أحد أفراد العلماء، برز في علوم كثيرة، وانفرد بها عن غيره، وجمع المصنفات الكبار والصغار نحوًا من ثلاثمائة مصنف".

وقد وصفه "ابن الجزري" بأنه: "شيخ العراق وإمام الآفاق".

وقال عنه "ابن العماد الحنبلي": "كان ابن الجوزي لطيف الصوت حلو الشمائل، رخيم النغمة، موزون الحركات، لذيذ الفاكهة".

وقال عنه "ابن جبير": "آية الزمان، وقرة عين الإيمان، رئيس الحنبلية، والمخصوص في العلوم بالرتب العلية، إمام الجماعة، وفارس حلبة هذه الصناعة، والمشهود له بالسبق الكريم في البلاغة والبراعة".

وقال عنه "شمس الدين الذهبي": "ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل".

مؤلفاته

تميز "ابن الجوزي" بغزارة إنتاجه وكثرة مصنفاته التي بلغت نحو ثلاثمائة مصنف شملت الكثير من العلوم والفنون، فهو أحد العلماء المكثرين في التصنيف في التفسير والحديث والتاريخ واللغة والطب والفقه والمواعظ وغيرها من العلوم، ومن أشهر تلك المصنفات:

أخبار الظرّاف والمتماجنين.

أخبار النساء.

أعمار الأعيان.

بستان الواعظين.

تلبيس إبليس.

تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير.

تاريخ بيت المقدس.

تحفة المودود في أحكام المولود.

الثبات عند الممات.

جواهر المواعظ.

الجليس الصالح والأنيس الناصح.

حسن السلوك في مواعظ الملوك.

ذم الهوى.

زاد المسير في علم التفسير.

سيرة عمر بن عبد العزيز.

صفوة الصفوة.

صيد الخاطر.

الطب الروحاني.

فنون الأفنان في علوم القرآن.

كتاب الأذكياء.

كتاب الحمقى والمغفلين.

لطائف المعارف فيما للموسم العام من الوظائف.

لفتة الكبد إلى نصيحة الولد.

مناقب عمر بن الخطاب.

المنتظم في تاريخ الملوك والأمم.

الناسخ والمنسوخ في الحديث.

الوفا في فضائل المصطفى.

اليواقيت في الخطب.

شعره

كان "ابن الجوزي" شاعرًا مجيدًا إلى جانب كونه أديبًا بارعًا وخطيبًا مفوهًا، وله أشعار حسنة كثيرة، منها قوله في الفخر:

مازلت أدرك ما غلا بل ما علا ** وأكابد النهج العسير الأطولا

تجري بي الآمال في حلباتـه ** جري السعيد إلى مدى ما أمّلا

لو كان هذا العلم شخصًا ناطقًا ** وسألته: هل زار مثلي؟ قال: لا

ومنها قوله في الزهد والقناعة:

إذا قنعت بميسور من القوت ** بقيت في الناس حرًا غير ممقوت

يا قوت يومي إذا ما در خلفك لي ** فلست آسي على در وياقوت

وأوصى أن يُكتب على قبره:

يا كثير العفو عمن ** كثر الذنب لديه

جاءك المذنب يرجو ** الصفح عن جرم يديه

أنا ضيف وجزاء ** الضيف إحسان لديه

وفاته

توفي "ابن الجوزي" ليلة الجمعة [ 12 من رمضان 597هـ= 16 من يونيو 1200] عن عمر بلغ سبعا وثمانين سنة بعد أن مرض خمسة أيام، فبكاه أهل بغداد، وازدحموا على جنازته، حتى أقفلت الأسواق، فكان ذلك يومًا مشهورًا مشهودًا، يشهد بمكانة "ابن الجوزي" وحب الناس له.

من مصادر الدراسة:

البداية والنهاية: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي-تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ـ دار هجر للطباعة والنشر ـ القاهرة [ 1419هـ= 1998م].

شذرات الذهب في أخبار من ذهب: أبو الفتح عبد الحي بن العماد الحنبلي ـ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت [د.ت].

العبر في خبر من غبر: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي- تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت: [1405هـ= 1985مم]

الكامل في التاريخ: ابن الأثير: أبو الحسن على بن أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني- دار صادر ـ بيروت ـ [د.ت].

النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي الأتابكي ـ تحقيق: محمد حسين شمس الدين ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت: [1413هـ= 1992م].

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان ـ تحقيق: د. إحسان عباس ـ دار الثقافة ـ بيروت [د.ت].

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:04 PM   #5 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي


الشافعي.. ملامح وآثار






شهد القرن الثاني الهجري ظهور مدرستين أساسيتين في الفقه الإسلامي، هما: مدرسة الرأي، ومدرسة الحديث، نشأت المدرسة الأولى في العراق، وهي امتداد لفقه عبد الله بن مسعود الذي أقام هناك، وحمل أصحابه علمه وقاموا بنشره، وكان ابن مسعود متأثرًا بمنهج عمر بن الخطاب في الأخذ بالرأي، والبحث في علل الأحكام حين لا يوجد نص من كتاب الله أو سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، ومن أشهر تلامذة ابن مسعود الذين أخذوا عنه: علقمة بن قيس النخعي، والأسود بن يزيد النخعي، ومسروق بن الأجدع الهمذاني، وشريح القاضي، وهؤلاء كانوا من أبرز فقهاء القرن الأول الهجري.

ثم تزعم مدرسة الرأي بعدهم إبراهيم بن يزيد النخعي فقيه العراق بلا منازع، وعلى يديه تتلمذ حماد بن سليمان، وخلفه في درسه، وكان إمامًا مجتهدًا، كانت له بالكوفة حلقة عظيمة يؤمها طلاب العلم، وكان من بينهم أبو حنيفة النعمان الذي فاق أقرانه، وانتهت إليه رئاسة الفقه، وتقلد زعامة مدرسة الرأي من بعد شيخه، والتف حوله الراغبون في تعلم الفقه، وبرز منهم تلاميذ بررة، على رأسهم أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، وزفر، والحسن بن زياد وغيرهم، وعلى يد هؤلاء تبلورت طريقة مدرسة الرأي واستقر أمرها ووضح منهجها.

وأما مدرسة الحديث، فقد نشأت بالحجاز، وهي امتداد لمدرسة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعائشة وغيرهم من فقهاء الصحابة الذين أقاموا بمكة والمدينة، وكان يمثلها عدد كبير من كبار الأئمة، منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وابن شهاب الزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس. وتمتاز تلك المدرسة بالوقوف عند نصوص الكتاب والسنة، فإن لم تجد التمست آثار الصحابة، ولم تلجئهم مستجدات الحوادث التي كانت قليلة في الحجاز إلى التوسع في الاستنباط بخلاف ما كان عليه الحال في العراق.

وجاء الشافعي والجدل مشتعل بين المدرسين فأخذ موقفًا وسطا، وحسم الجدل الفقهي القائم بينهما بما تيسر له من الجمع بين المدرستين، بعد أن تلقى العلم وتتلمذ على كبار أعلامهما مثل مالك بن أنس من مدرسة الحديث، ومحمد بن الحسن الشيباني من مدرسة الرأي.

المولد والنشأة

في مدينة غزة كان مولد أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع في سنة (150 هـ=767م)، وتشاء الأقدار أن تكون هي السنة التي توفي فيها الإمام أبو حنيفة النعمان. ويلتقي الشافعي في النسب مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في عبد مناف.

نشأ الشافعي يتيما، وانتقلت به أمه إلى مكة وهو ابن سنتين حتى ينشأ على ما ينشأ عليه أقرانه من قبيلته قريش، وكانت مكة تموج بالفقهاء والمحدثين، وبعد أن حفظ القرآن -ولم يكن قد تجاوز سبع سنين- بدأ في التردد على حلقات العلم، ورزقه الله شغفًا بالعلم وحبًا في طلبه، فكان يلزم حلقات العلم ويحفظ الحديث، ويتردد على البادية حتى يفصح لسانه ويستقيم نطقه، ولزم في سبيل ذلك قبيلة "هذيل" وكانت أفصح العرب، ولقد كان لهذه الملازمة أثر في فصاحته وبلاغة ما يكتب، وقد لفتت هذه البراعة أنظار معاصريه من العلماء بعد أن شب وكبر، حتى إن الأصمعي وهو من أئمة اللغة المعدودين يقول: "صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس". وبلغ من اجتهاده في طلب العلم أن أجازه شيخه مسلم بن خالد الزنجي بالفتيا وهو لا يزال صغير الإهاب.

الرحلة في طلب العلم

كان الإمام مالك قد طبقت شهرته الآفاق، وتناقل الناس كتابه الموطأ، وسمت همة الفتى الصغير إلى الذهاب إليه في المدينة حيث يقيم، لكنه لم يرد أن يذهب دون أن يحفظ كتاب الموطأ، فلما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه الموطأ أعجب الإمام مالك بقراءته وفصاحته، وكان عمر الشافعي ثلاث عشرة سنة تقريبًا، ومنذ ذلك الوقت لازم الإمام الشافعي الإمام مالكا حتى توفي سنة (179هـ=795م)، أي أنه لازمه ست عشرة سنة، وفي الوقت نفسه أخذ عن إبراهيم بن سعد الأنصاري، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومحمد بن سعيد بن أبي فديك وغيرهم.

ولما توفي مالك عمل الشافعي واليا على "نجران"، وسار فيهم بالعدل، غير أن ذلك لم يجد هوى عند بعض الناس، فوشوا به إلى الخليفة هارون الرشيد، فأرسل في استدعائه سنة (184هـ= 800م)، لكنه لما حضر بين يدي الخليفة أحسن الدفاع عن نفسه بلسان عربي مبين، وبحجة ناصعة قوية؛ فأعجب به الخليفة، وأطلق سراحه، ووصله بعطية قدرها خمسون ألفًا، أنفقها الشافعي وفرّقها على حجّاب أمير المؤمنين وخدّامه قبل أن يخرج من باب القصر.

وظل الشافعي في بغداد عاصمة دار الخلافة، واتصل بمحمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة ولازمه ملازمة لصيقة، وقرأ كتبه وتلقاها عليه، وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق، وعلم أهل الحديث وعلم أهل الرأي، ثم عاد إلى مكة ليعقد فيها أول مجالسه العلمية في الحرم المكي، والتقى به كبار العلماء في موسم الحج، واستمعوا إليه، وفي أثناء هذه الفترة التقى به الإمام أحمد بن حنبل وتتلمذ عليه، وبدأت تظهر شخصية الشافعي ومنهجه الجديد في الفقه الذي هو مزيج من فقه أهل العراق وأهل المدينة، أنضجه عقل متوهج، عالم بالقرآن والسنة، بصير بالعربية وآدابها، خبير بأحوال الناس وقضاياهم، قوي الرأي والقياس.

الرحلة إلى بغداد

بعد أن أقام الشافعي في مكة نحوا من تسع سنوات استقام خلالها منهجه، واستوت طريقته، ورسخت قدمه، وزادت نفسه ثقة فيما ذهب إليه -رحل إلى بغداد سنة (195هـ= 810م) ومكث الشافعي هناك سنتين، نشر بها مذهبه القديم، وألف كتابه "الرسالة" الذي وضع به الأساس لعلم أصول الفقه، والتف حوله العلماء ينهلون من علمه، ويتأثرون بطريقته الجديدة التي استنها، ولازمه أربعة من كبار أصحابه، هم: أحمد بن حنبل، وأبو ثور، والزعفراني، والكرابيسي.

ثم رجع الإمام الشافعي إلى مكة وأقام بها فترة قصيرة، غادرها بعدها إلى بغداد للمرة الثالثة والأخيرة سنة (198هـ=813م)، لكنه لم يقم بها طويلا بعد أن صار له أتباع ومريدون ينشرون طريقته، فغادر بغداد إلى مصر، وكانت منقسمة قسمين: فرقة مالت إلى مالك وناضلت عنه، وفرقة أخرى مالت إلى قول أبي حنيفة وانتصرت له، بالإضافة إلى تلاميذ الإمام المجتهد الليث بن سعد الذي وصفه الشافعي بأنه أفقه من مالك، لكنه لم يلتق به ويتتلمذ على يديه، لضيق حاله إبّان الطلب، فعجز عن إعداد ما يلزمه في الرحلة إليه في مصر، وكان كثيرًا ما يبدي أسفه على فوات فرصة لقاء الليث.

الإقامة بمصر

قدم الشافعي مصر سنة (119هـ=814م) تسبقه شهرته وتقدير العلماء له وإجلالهم لمنزلته، وكان في صحبته من تلاميذه الربيع بن سليمان المرادي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، ثم بدأ في إلقاء دروسه بجامع عمرو بن العاص، فمال إليه الناس، وجذبت فصاحته وعلمه كثيرًا من أتباع الإمامين أبي حنيفة ومالك.

وفي مصر وضع الشافعي مذهبه الجديد، وهو الأحكام والفتاوى التي استنبطها بمصر وخالف في بعضها فقهه الذي وضعه ببلاد العراق، وصنف كتبه الخالدة التي رواها عنه تلاميذه.

أصول مذهبه

دوّن الشافعي الأصول التي اعتمد عليها في فقهه، والقواعد التي التزمها في اجتهاده في رسالته الأصولية الشهيرة "الرسالة"، وطبق هذه الأصول في فقهه، فكانت أصولا عملية لا نظرية، ويظهر هذا واضحًا في كتابه "الأم" الذي يذكر فيه الشافعي الحكم مع دليله، ثم يبين وجه الاستدلال بالدليل وقواعد الاجتهاد وأصول الاستنباط التي اتبعت في استنباطه؛ فهو يرجع أولاً إلى القرآن وما ظهر له منه، إلا إذا قام دليل على وجوب صرفه عن ظاهره، ثم إلى سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى خبر الواحد، الذي ينفرد راو واحد بروايته، وهو ثقة في دينه، معروف بالصدق، مشهور بالضبط.

وهو يعد السنة مع القرآن في منزلة واحدة، فلا يمكن النظر في القرآن دون النظر في السنة التي تشرحه وتبينه، فالقرآن يأتي بالأحكام العامة والقواعد الكلية، والسنة هي التي تفسر ذلك؛ فهي التي تخصص عموم القرآن أو تقيد مطلقه، أو تبين مجمله.

ولم يشترط الشافعي في الاحتجاج بالسنة غير اتصال سند الحديث وصحته، فإذا كان كذلك وصح عنده؛ كان حجة عنده، ولم يشترط في قبول الحديث عدم مخالفته لعمل أهل المدينة مثلما اشترط الإمام المالك، أو أن يكون الحديث مشهورًا ولم يعمل راويه بخلافه. ووقف الشافعي حياته على الدفاع عن السنة، وإقامة الدليل على صحة الاحتجاج بخبر الواحد، وكان هذا الدفاع سببًا في علو قدر الشافعي عند أهل الحديث حتى سموه "ناصر السنة".

ولعل الذي جعل الشافعي يأخذ بالحديث أكثر من أبي حنيفة حتى إنه يقبل خبر الواحد متى توافرت فيه الشروط، أنه كان حافظًا للحديث بصيرًا بعلله، لا يقبل منه إلا ما ثبت عنده، وربما صح عنده من الأحاديث ما لم يصح عند أبي حنيفة وأصحابه.

وبعد الرجوع إلى القرآن والسنة يأتي الإجماع إن لم يعلم له مخالف، ثم القياس شريطة أن يكون له أصل من الكتاب والسنة، ولم يتوسع فيه مثلما توسع الإمام أبو حنيفة.

تدوين المذهب

أتيح للشافعي ما لم يتح لغيره من الأئمة الكبار، من تدوين مذهبه ونشره في كتب كتبها بنفسه، وأهم هذه الكتب:

الرسالة في أصول الفقه، وقد طبع مع الجزء الأول من كتاب الأم في المطبعة الأميرية بالقاهرة سنة (1321هـ=1903م)، ثم نشره محققا العلامة المحدث أحمد محمد شاكر سنة (1358هـ=1939م).

كتاب الأم، وهو يشمل أبواب الفقه كلها، ويمتاز بجمال الأسلوب ودقة التعبير، وبعرض آراء العلماء المخالفين ومناظرتها، وقد نُشر الكتاب كاملا بعد أن سعى الفقيه المصري أحمد الحسيني إلى جمع مخطوطاته وطبعه على نفقته، ثم قام بشرح قسم العبادات منه في (24) مجلدًا، لا تزال مخطوطة حتى الآن، وتحتفظ بها دار الكتب المصرية، وقد سماها: "مرشد الأنام لبرء أم الإمام" وصدرها بمقدمة كبيرة في تراجم الشافعية، وقد توفي أحمد الحسيني سنة (1332هـ=1914م).

وقد أُلحق بكتاب الأم كثير من كتب الشافعي التي كتبها بنفسه، وهي لا تعدو أن تكو رسائل لطيفة، مثل كتاب "جماع العلم"، وقد نشره مستقلا أحمد شاكر سنة (1359هـ=1940م) ، وكتاب "إبطال الاستحسان" الذي رد به على فقهاء الأحناف، وكتاب "اختلاف مالك والشافعي".

قام تلاميذ الشافعي بنشر مذهبه في البلاد التي ارتحلوا إليها أو التي اتخذوها وطنًا، وهناك ثلاثة من التلاميذ المصريين كان لهم أثر بالغ في نشر المذهب، فقد جالسوا الإمام وأخذوا عنه مذهبه بعد أن نضج وبلغ كماله، ورووا كتبه، وهؤلاء الثلاثة هم:

* يوسف بن يحيي البويطي المتوفى سنة (231هـ=854م).

* إسماعيل بن يحيي المزني المتوفى سنة (264هـ= 877م) وكان زاهدا عالمًا مجتهدًا مناظرًا، وصفه الشافعي بقوله: "المزني ناصر مذهبي"، وقد أخذ عنه عدد كبير من علماء خراسان والعراق والشام.

* الربيع بين سليمان المرادي، كان مؤذنًا بجامع عمرو بن العاص، واتصل بالشافعي حتى صار راوية كتبه والثقة الثبت فيما يرويه عنه، وعن طريقه وصلت إلينا كتب الشافعي، وتوفي سنة (270هـ=883م).

عن طريق هؤلاء وتلاميذهم ومن تلاهم من طبقات الشافعية شُيّد المذهب الشافعي، حتى صار ذلك التراث الضخم الذي بين أيدينا الآن.

وفاة الشافعي

اتفق العلماء من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة على أمانة الشافعي وعدالته وزهده وورعه وتقواه وعلو قدره، وكان مع جلالته في العلم مناظرًا حسن المناظرة، أمينًا فيها، طالبًا للحق لا يبغي صيتًا وشهرة، حتى أثرت عنه هذه الكلمة: "ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان.. وما ناظرت أحدًا إلا ولم أبال يبين الله الحق على لساني أو لسانه".

وبلغ من إكبار أحمد بن حنبل -وهو إمام كبير جليل- لشيخه الشافعي أنه قال حين سأله ابنه عبد الله: أي رجل كان الشافعي، فإني رأيتك تكثر الدعاء له؟-: "كان الشافعي كالشمس للنهار وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض؟!!".

وظل الإمام الشافعي في مصر لم يغادرها، يلقي دروسه في حلقته المباركة، ويلتف تلاميذه حوله، حتى لقي ربه في (30 رجب 204= 20 من يناير 820م).


من مصادر الدراسة:

البيهقي: مناقب الشافعي ـ تحقيق السيد أحمد صقر ـ دار التراث ـ القاهرة ـ (1391هـ= 1971م).

السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ـ تحقيق محمود محمد الطناحي ـ عبد الفتاح محمد الحلو ـ دار هجر ـ القاهرة ـ (1413هـ=1992م).

الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين ـ مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1412 هـ=1992م.

محمد أبو زهرة: الشافعي حياته وعصره ـ آراؤه وفقهه ـ دار الفكر العربي ـ القاهرة ـ 1978م.

علي جمعة: الإمام الشافعي ومدرسته الفقهية ـ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ـ القاهرة ـ (1421هـ= 2000م).

محمد يوسف موسى: الفقه الإسلامي مدخل لدراسته ـ دار الكتب الحديثة ـ القاهرة ـ (1374هـ=1954م).

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:06 PM   #6 (permalink)
مشرفه سابقه
 
صورة رمزية ~Queen Love~
 
 
 
تقييم العضو :
~Queen Love~ is on a distinguished road
 
افتراضي


أحمد بن حنبل.. إمام أهل السنة






كان أحمد بن حنبل واحدًا من أئمة الهدى الذين ازدانت بهم القرون الهجرية الأولى، يلوذ بهم الناس حين تدلهمّ بهم الطرق، وتتشعب بهم السبل، فلا يجدون إلا يدًا حانية، ونورًا هاديًا يأخذهم إلى جادة الطريق، ويلقي بهم إلى بر النجاة.

ينظر الناس إليهم فيجدون دينهم فيهم، وخلقهم وآدابهم ماثلة بين أيديهم، وسنة نبيهم حية ناطقة، كأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يزال حيا بين ظهرانيهم، وأصحابه المهديين يعيشون بينهم، فيطمئنون إلى سلامة المنهج، وصدق التطبيق.

وكانت حلقاتهم في ساحات المسجد منازل للوحي ومجامع للأفئدة، وملجأ للعقول، يتحلق حولهم تلاميذهم ومن يرغب في سماع تفسير آية أو بيان حديث، أو طلب فتوى، ينزلهم الناس من أنفسهم المحل الأسمى، ويقتدون بهديهم كمن يطلب النجاة لنفسه من خطر داهم، ويستقبلونهم بالبشر والترحاب أينما حلوا كما يُستقبل القادة والفاتحون.

المولد والنشأة

في بيت كريم من بيوت بني شيبان في بغداد وُلد أحمد بن حنبل في (ربيع الأول 164هـ = نوفمبر 780م)، وشاء الله ألا يرى الوالد رضيعه؛ فقد توفي قبل مولده، فقامت أمّه برعايته وتنشئته، وحرصت على تربيته كأحسن ما تكون التربية، وعلى تعليمه فروع الثقافة التي كانت سائدة، فحفظ القرآن الكريم، وانكبّ على طلب الحديث في نهم وحب، يسرع الخطى إلى شيخه قبل أن يسفر الصباح؛ حتى يكون أول من يلقاه من تلاميذه، حتى إذا شبّ عن الطوق انتقل إلى حلقة "أبي يوسف" تلميذ أبي حنيفة، وأول من اعتلى منصب قاضي القضاة، وكانت حلقته آية في السمو والرقي، يؤمها طلاب العلم والعلماء والقضاة على اختلاف طبقاتهم ومنازلهم، وقد لزم أحمد بن حنبل حلقة أبي يوسف أربع سنوات، كتب ما سمعه فيها ما يملأ ثلاثة صناديق، كما لزم حلقة "هشيم بن بشير السلمي" شيخ المحدثين في بغداد، ولا يسمع بعالم ينزل بغداد إلا أقبل عليه وتتلمذ له، فسمع من "نعيم بن حماد"، و"عبد الرحمن بن مهدي"، و"عمير بن عبد الله بن خالد".

رحلاته في طلب العلم

كانت الرحلة في طلب العلم وسماع الحديث من سمات طالبي العلم في هذه الفترة، وكان كبار الفقهاء وشيوخ المحدثين موزعين في أنحاء العالم الإسلامي، لا يختص بهم قطر أو إقليم؛ ولذا كان الطلاب النابهون يقومون بالترحال إليهم، لا يعوقهم عن ذلك قلّة المال أو بُعد المكان.

بدأ أحمد بن حنبل رحلته الميمونة في طلب الحديث سنة (186هـ = 802م) وهو في الثانية والعشرين من عمره، واتجه إلى البصرة، والكوفة والرقّة، واليمن، والحجاز، والتقى بعدد من كبار علماء الأمة وفقهائها العظام، من أمثال: يحيى بن سعيد القطان، وأبي داود الطيالسي، ووكيع بن الجراح، وأبي معاوية الضرير، وسفيان بن عيينة، والشافعي الذي لازمه ابن حنبل وأخذ عنه الفقه والأصول، وكان يقول عنه الإمام الشافعي: "ما رأيت أحدًا أفقه في كتاب الله من هذا الفتى القرشي".

وكان شغف ابن حنبل بطلب الحديث يجعله يستطيب كل صعب، ويستهين بكل مشقة، لم تمنعه إمامته وعلوّ قدره من الاستمرار في طلبه العلم، ولا يجد حرجًا في أن يقعد مقعد التلميذ بعد أن شهد له شيوخه أو أقرانه بالحفظ والإتقان، يراه بعض معاصريه والمحبرة في يده يسمع ويكتب، فيقول له: "يا أبا عبد الله، أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين "، فيكون جواب الإمام: "مع المحبرة إلى المقبرة".

جلوسه للتدريس

كان من تصاريف القدر أن يجلس الإمام أحمد للفتيا والتدريس في بغداد سنة (204هـ – 819م) وهي السنة التي توفي فيها الشافعي فكان خلفًا عظيمًا لسلف عظيم، وكان له حلقتان: واحدة في بيته يقصدها تلاميذه النابهون، وأخرى عامة في المسجد، يؤمها المئات من عامة الناس وطلاب العلم، وتُعقد بعد صلاة العصر، وكان الإمام يهش للذين يكتبون الحديث في مجلسه، ويصف محابرهم بأنها سُرُج الإسلام، ولا يقول حديثًا إلا من كتاب بين يديه، مبالغة في الدقة، وحرصًا على أمانة النقل، وهو المشهود له بأن حافظته قوية واعية، حتى صار مضرب الأمثال.

ولزم الإمامَ عدد من تلاميذه النابهين، نشروا علمه، وحملوا فقهه إلى الآفاق، من أشهرهم: أبو بكر المروزي، وكان مقربًا إلى الإمام، أثيرًا عنده، لعلمه وفضله، وصدقه وأمانته، حتى قال عنه الإمام أحمد: "كل ما قاله على لساني فأنا قلته"، ومن تلاميذه: أبو بكر الأثرم، وإسحاق بن منصور التميمي، وإبراهيم بن إسحاق الحربي، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وبقي بن مخلد.

مذهب الإمام أحمد

لم يدون الإمام أحمد مذهبه الفقهي، ولم يصنف كتابًا في الفقه، أو أملاه على أحد من تلاميذه، بل كان يكره أن يُكتب شيء من آرائه وفتاواه، حتى جاء أبو بكر الخلال المتوفى سنة (311هـ = 923) فقام بمهمة جمع الفقه الحنبلي، وكان تلميذًا لأبي بكر المروزي، وجاب الآفاق يجمع مسائل الإمام أحمد الفقهية وما أفتى به، فتيسرت له منها مجموعة كبيرة لم تتهيأ لغيره، وقام بتصنيفها في كتابه: "الجامع الكبير" في نحو عشرين مجلدًا، وجلس في جامع المهدي، ببغداد يدرّسها تلاميذه، ومن هذه الحلقة المباركة انتشر المذهب الحنبلي، وتناقله الناس مدونًا بعد أن كان روايات مبعثرة.

ثم قام أبو القاسم الخرقي المتوفى سنة (334هـ = 946م) بتخليص ما جمعه أبو بكر الخلّال في كتاب اشتهر بـ"مختصر الخرقي"، تلقاه الناس بالقبول، وعكف عليه فقهاء الحنابلة شرحًا وتعليقًا، حتى كان له أكثر من ثلاثمائة شرح، كان أعظمها وأشهرها "كتاب المغني" لابن قدامة المقدسي المتوفى سنة (620هـ = 1233م)، ولم يكتف مؤلفه فيه بالشرح وإنما تعداه إلى بيان اختلاف الروايات وذكر الأدلة الفقهية، مرجحًا بينها، وصاغ ذلك في عبارة سلسلة دقيقة المعنى.

ثم جاء الإمام ابن تيمية الجد "عبد السلام بن عبد الله" المتوفى سنة (652هـ = 1254م)، فحرر مسائل المذهب، وألّف كتابه "المحرر" في الفقه، ثم تعددت بعد ذلك كتب المذهب وانتشرت بين الناس.

ويجدر بالذكر أن المذهب الحنبلي هو أوسع المذاهب الإسلامية في إطلاق حرية التعاقد، وفي الشروط التي يلتزم بها الطرفان؛ لأن الأصل عند الإمام أحمد هو جعل معاملات الناس على أصل الإباحة حتى يقوم دليل شرعي على التحريم؛ ومن ثمّ كان في الفقه الحنبلي متسع لنظام المعاملات، يمتاز بالسهولة واليسر وتحقيق المصلحة للناس.

محنة الإمام أحمد

كان الإمام أحمد على موعد مع المحنة التي تحملها في شجاعة، ورفض الخضوع والتنازل في القول بمسألة عمّ البلاء بها، وحمل الخليفة المأمون الناس على قبولها قسرًا وقهرًا دون دليل أو بيّنة.

وتفاصيل تلك المحنة أن المأمون أعلن في سنة (218هـ = 833م) دعوته إلى القول بأن القرآن مخلوق كغيره من المخلوقات، وحمل الفقهاء على قبولها، ولو اقتضى ذلك تعريضهم للتعذيب، فامتثلوا؛ خوفًا ورهبًا، وامتنع أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح عن القول بما يطلبه الخليفة، فكُبّلا بالحديد، وبُعث بهما إلى بغداد إلى المأمون الذي كان في طرسوس، لينظر في أمرهما، غير أنه توفي وهما في طريقهما إليه، فأعيدا مكبّلين إلى بغداد.

وفي طريق العودة قضى محمد بن نوح نحبه في مدينة الرقة، بعد أن أوصى رفيقه بقوله: "أنت رجل يُقتدى به، وقد مدّ الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك؛ فاتق الله واثبت لأمر الله".

وكان الإمام أحمد عند حسن الظن، فلم تلن عزيمته، أو يضعف إيمانه أو تهتز ثقته، فمكث في المسجد عامين وثلث عام، وهو صامد كالرواسي، وحُمل إلى الخليفة المعتصم الذي واصل سيرة أخيه على حمل الناس على القول بخلق القرآن، واتُّخذت معه في حضرة الخليفة وسائل الترغيب والترهيب، ليظفر المجتمعون منه بكلمة واحدة، تؤيدهم فيما يزعمون، يقولون له: ما تقول في القرآن؟ فيجيب: هو كلام الله، فيقولون له: أمخلوق هو؟ فيجيب: هو كلام الله، ولا يزيد على ذلك.

ويبالغ الخليفة في استمالته وترغيبه ليجيبهم إلى مقالتهم، لكنه كان يزداد إصرارًا، فلما أيسوا منه علّقوه من عقبيه، وراحوا يضربونه بالسياط دون أن يستشعر واحد منهم بالخجل وهو يضرب إنسانًا لم يقترف جرمًا أو ينتهك عرضًا أو أصاب ذنبًا، فما بالك وهم يضربون إمامًا فقيهًا ومحدثًا ورعًا، يأتمّ به الناس ويقتدون به، ولم تأخذهم شفقة وهم يتعاقبون على جلد جسد الإمام الواهن بسياطهم الغليطة، حتى أغمي عليه، ثم أُطلق سراحه، وعاد إلى بيته، ثم مُنع من الاجتماع بالناس في عهد الخليفة الواثق (227-232هـ = 841-846م)، لا يخرج من بيته إلا للصلاة، حتى إذا ولي المتوكل الخلافة سنة (232هـ = 846م)، فمنع القول بخلق القرآن، ورد للإمام أحمد اعتباره، فعاد إلى الدرس والتحديث في المسجد.

مؤلفات الإمام أحمد

ترك الإمام أحمد عددًا من المؤلفات يأتي في مقدمتها "المسند"، وهو أكبر دواوين السُّنّة؛ إذ يحوي أربعين ألف حديث، استخلصها من 750 ألف حديث، وشرع في تأليفه بعدما جاوز السادسة والثلاثين.

أما كتبه الأخرى فهي كتاب "الزهد"، وكتاب "السُّنّة"، وكتاب "الصلاة وما يلزم فيها"، وكتاب "الورع والإيمان"، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "المسائل"، وكتاب "فضائل الصحابة" وكلها مطبوعة ومتداولة.

وبعد حياة حافلة بجلائل الأعمال توفي الإمام أحمد في (12 من ربيع الآخر 241هـ = 30 من أغسطس 855م) عن سبعة وسبعين عامًا، ودُفن في بغداد.

من مصادر الدراسة:

ابن خلكان: وفيات الأعيان – دار الثقافة – بيروت – بدون تاريخ.

محمد أبو زهرة: أحمد بن حنبل ، حياته وعصره – دار الفكر العربي – القاهرة – بدون تاريخ.

عبد الحليم الجندي: أحمد بن حنبل – إمام أهل السنة – دار المعارف – القاهرة – بدون تاريخ.

عبد الغني الدقر: أحمد بن حنبل إمام أهل السنة – دار القلم – بيروت – 1408هـ = 1988م.

 

 

 

 

 

~Queen Love~ غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:07 PM   #7 (permalink)
إدارة موقع مملكة ذوقي
 
صورة رمزية ملك الذوق
 
 
 
تقييم العضو :
ملك الذوق is on a distinguished road
 
افتراضي


يعطيك العافيه اختي الغاليه كوين لوفي على هالجهد الرائع والملموس

ولاتحرمينا من جديدك المميز

اخوك ملك الذوق

 

 

 

 

 

التوقيع


يسلمو دياتك بنوته والله لايحرمنا منك

ملك الذوق غير متواجد حالياً  

رد باقتباس
 
 

 
 
قديم 12-07-2006, 03:08 PM   #8 (permalink)
مشرفه سابقه